ارتفاع أسعار السلع والخدمات أصبح إحدى الظواهر الاقتصادية المتجذرة، التي يعاني منها المجتمع في الدولة وخاصة من ذوي الدخل المحدود والفقراء، فالزيادة السعرية التي اجتاحت السوق قبل أشهر قليلة، لم تصب سلعاً معينة وإنما أصابت غالبية السلع والخدمات وتحديدا المواد الغذائية الأساسية والتي يعتمد عليها قطاع كبير من الناس إن لم نقل غالبيتهم.

وبسبب ما آلت إليه أوضاع الناس ونعني بذلك غير القادرين على مواكبة الزيادة في الأسعار، أصبح الجميع يعاني من هذه الارتفاعات المستمرة، حيث أثرت عليهم بدون استثناء بالرغم من تدخل السلطات المعنية في كبح «هرولة الزيادة»، وأيضا في ظل تبادل الاتهامات عمن يتحمل هذه المسؤولية التي تضر بالناس والدولة. فلقد أصبح المستوردون والتجار والمسوقون والجمعيات التعاونية وجمعية حماية المستهلك والمؤسسات الحكومية أطرافا في المشكلة ولا نبالغ ان قلنا أيضا ان الحل في أيديهم، فما هي الأسباب وراء ذلك ومن هو المتسبب، وما هي الحلول المناسبة لهذه الظاهرة، والسؤال الأبرز هل فعلا هناك آمل في تخفيض الأسعار كما ذكر بعض المسؤولين في الجمعيات التعاونية، هذا هو ما طرحناه على السادة الذين التقينا بهم في محاولة لاستقراء هذه الظاهرة التي أصبحت تشكل اليوم هم وقلق لقطاع كبير من الناس.

كابوس الغلاء

في البداية لابد من وقفة للاطلاع على دراسة ميدانية أجريت من خلال استبيان تم توزيعه على مختلف فئات المجتمع من مختلف القطاعات والجنسيات وفئات السن، واستهدفت الدراسة التي أعدها مركز المعلومات بغرفة تجارة وصناعة ابوظبي بوقت مبكر أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة والذين يعتمدون اعتمادا كليا على الرواتب كمصدر أساسي للدخل، بالإضافة لبعض التجار والمستثمرين، أشارت نتائج الاستبيان الذي أجرته إحدى الدوائر المعترف بها إلى أن 98% من الأفراد يعتقدون بأن أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية غير معقولة وتجاوزت كافة المعدلات.

مما يؤكد أن هنالك ارتفاعات سعريه متواصلة، كما تشير نتائج الاستبيان إلى أن هنالك زيادة في حجم الإنفاق الشهري على السلع الاستهلاكية نتيجة لارتفاع الأسعار، حيث بلغ متوسط نسبة الزيادة لجميع أفراد العينة 18 %، وان هذا الارتفاع الذي تجاوز المعقول قد يظهر على المدى القريب مسببات أخرى مثل الضغوط المادية والنفسية والاقتصادية على الأفراد والأسر.

وزيادة ساعات العمل لتوفير الحاجات الضرورية مما أدى إلى خلق المشاكل الأسرية، والعزوف عن الزواج وتكوين الأسر بسبب عدم القدرة على تحمل المصاريف والتكاليف، وارتفاع نسبة الطلاق بسبب عدم الاستقرار المادي للأسر مما سيؤدي إلى حدوث مشاكل أسرية وعدم تمكن أرباب الأسر من تغطية الاحتياجات وغيرها من القضايا الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، وبعد كل ذلك ما هو رأي المعنيين بالأسعار؟

التحدي الغائب

يقول فريد الشمندي علي القائم بأعمال المدير العام لجمعية الإمارات التعاونية: الأسعار وخاصة في المواد الغذائية، هم وقلق للكثير، ونحن كجهة تتعامل مباشرة مع المستهلك علينا مسؤولية تجاه هذا الأمر، لذلك نقوم بمراجعة دورية لجميع الأسعار، ومؤخرا قمنا بإنزال تخفيض في أسعار الخضار والفواكه وبعض أنواع الأرز والدجاج المجمد، بنسبة مابين 10% و15% وبحكم مراقبتنا للأسواق المحلية والعالمية، نعتقد انه مع نهاية العام الحالي وبانحسار الأزمة المالية العالمية، سوف تخفض الأسعار في معظم المواد الغذائية المستوردة من 25% إلى 30% .

وهذا يعني انه إذا سارت المواد الغذائية المستوردة في تنازل فسوف نصل في الأخير إلى معدل يرضي جميع الإطراف، وهذا لا يعني أننا في الوقت الحالي لا نتعامل بجدية ومسؤولية بالنسبة للأسعار، فالجمعية حاليا تبيع كافة منتجاتها في كافة الفروع التابعة لها، بأسعار جدا مرضية وبفائدة أقل بكثير، وهذه السياسة نتبعها باستمرار، فمثلا كيس الأرز الباكستاني وزن 40 كيلو يباع حاليا ب 145 درهما، وقد ثبت سعره ولا رجعة بذلك، بينما يباع الأرز في أماكن أخرى بضعف هذا المبلغ.

وفي رمضان الماضي كانت توجيهات وسياسات مجلس الإدارة وضع خطة إستراتيجية لتوفير السلع الأساسية بالاستيراد مباشرة من الخارج والتنسيق مع السوق المحلي، وتثبيت أسعار السلع الأساسية والبيع بسعر يقل عن تكلفة شرائها أو بسعر الشراء في بعض الأحيان، كما تضمنت حملة عيد الفطر والتي شملت 32 سلعة متنوعة بيعت بأسعار أقل من سعر التكلفة بنحو 25% .

وقال أيضا: حرص مجلس الإدارة منذ إنشاء مكتب الاستيراد عام 2002 على فكرة الاستيراد المباشر، بإنشاء مكتب خاص تابع لإدارة الجمعية، ويحظى بمتابعة ورعاية من قبل المجلس وفق إستراتيجية وخطة مدروسة لتوفير البدائل والحد من ارتفاع الأسعار وخاصة السلع الأساسية والتي ارتفع عددها إلى 300 سلعة، كما حرصت الجمعية على تنويع خدماتها وتطويرها من وقت.

ضمير التجار

يقول إبراهيم البحر مساعد المدير العام لجمعية الاتحاد التعاونية: مسؤولية عدم استقرار الأسعار مسؤوليات يتقاسمها الكثير من الجهات الرسمية والاقتصادية والشعبية، ولكن بالأساس المسؤولية الأولى تقع على عاتق شركات الاستيراد، فهي التي تتحكم بالسوق، وبالتالي تحدد الأسعار كما تريد هي، دون مراعاة لأوضاع الناس المعيشية والتي يتضرر منها أكثر ذوي الدخل المحدود والمعتمدين على دخولهم الشهرية، وكانت حجج هذه الشركات عند ارتفاع أسعار المواد الغذائية ارتفاع البترول ومشتقاته.

واليوم نخشى التمسك بمسببات الأزمة المالية العالمية، والعمل على زيادة أكثر في المواد الأساسية، لذلك أقول أنها قضية ضمير بالدرجة الأولى وعلينا أن نعلم أن هناك رقيبا اكبر من الجميع، أما ما يخص الجمعية فهي تقوم بواجبها بالشكل المطلوب، والدليل على ذلك ثبات أكثر من 300 سلعة بسعرها المعقول، وحتى إذا وصلت موادنا المستوردة إلى أكثر من 1000 سلعة فسوف تبقى سياستنا كما هي.

وأمامنا دليل كبير على ذلك، فحين اشتدت الأزمة في الأشهر القليلة الماضية، تمكنت جمعية الاتحاد التعاونية في دبي من خفض أسعار الأرز والبيض، بعد أن استوردت السلعتين من مصدرهما مباشرة، وكما يعرف الجميع ان أسواق الدولة شهدت أزمة كبيرة في سلعتي البيض والأرز اللتين قلت الكميات المعروضة منهما، وارتفعت أسعارهما بنسب عالية جدا تجاوزت 40% في بعض المراكز التجارية،.

فيما تمكنت جمعية الاتحاد التعاونية من تخفيض السعر وإعادته إلى طبيعته، وتوفير الكميات اللازمة نتيجة الاستيراد المباشر دون وساطة التجار، مما فتح باب المطالبات لدى المستهلكين بأن تستعيد الجمعيات التعاونية دورها في السوق.

وقال مساعد المدير العام لجمعية الاتحاد في دبي إبراهيم البحر: إن الجمعية لم تُخفض الأسعار، وإنما حافظت عليها وأعادتها إلى طبيعتها بعد أن استوردت السلع مباشرة من الدول المصدرة لها، فهي تتبع سياسة واحدة ليس فيها متاجرة بقوت الناس الضروري، وحاليا نجري مشاورات لاستيراد مزيد من السلع والمواد الغذائية لتوزيعها في الإمارات، وذلك لحماية المستهلكين من ارتفاع أسعارها وفي مقدمتها الحليب الجاف والمواد الأساسية.

الحبل على الجرار

كلما طرأت زيادة على أسعار المواد الغذائية، سارعت وزارة الاقتصاد إلى تحذير التجار والمستوردين، من رفع أسعار المواد الغذائية والخدمات بطريقة غير مبررة، وفي المقابل يدرك التجار أن ليس للوزارة سلطة عليهم، فهم يتعاملون ضمن سياسة السوق الحرة، والأسعار كما يروجون لها، تتحكم بها الشركات العالمية المنتجة والمصدرة، وفي الوقت نفسه يرجع الكثيرون سبب ارتفاع التكاليف إلى عوامل خارجية مالية واقتصادية.

ويذكر ان البلديات في كل من دبي والشارقة وعجمان وغيرها من الإمارات اجتمعت لمناقشة مشكلة ارتفاع الأسعار وأصرت على أن تحتفظ الأسواق بوصولات التعاملات اليومية لكي تتم مراقبة التكاليف، وبالرغم مما قيل ويقال الآن إلا أن معاناة الناس مازالت متواصلة جراء ارتفاع الأسعار وأضيف لها اليوم ارتفاع في كافة المواد الاستهلاكية بما فيها الكماليات وغيرها، ولا نعرف غدا إلى أين سوف تتجه الأمور.

جميل محسن