أحيّا كل من أستاذ العلوم السياسية ووزير الإعلام اللبناني، طارق متري والمفكر الإسلامي ورئيس منتدى الحوار الإسلامي المسيحي هاني فحص ندوة شيقة حول العرب والمتغيرات الثقافية على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب الحالي. وقد أثار طارق متري علاقة رجال السياسة بالمثقفين وقال بأنها علاقة ملتبسة. ونتج عنها انشغال العرب بموضوعات: الاستقلال والتقدم والتنمية.

وازداد الانشغال بها وظهورها بشكل بارز في علاقة الدول المتقدمة والدول الناشئة. وحكمت هذه العلاقات طيلة سنوات طويلة المصالح المفترضة بينها وما ينتج عنها من علاقات رمزية. كان السؤال الذي يشغل بال العرب منذ أن بدأ المفكر محمد عبده بطرح هذا السؤال في القرن الماضي: لماذا تقدم خصومنا ولماذا تأخرنا نحن العرب؟ وهذه العلاقة نشأت على الأدب والرواية بالذات من خلال ما طرحه توفيق الحكيم وسهيل إدريس والطيب صالح في رواياتهم عن علاقة الغرب بالعرب. وأشار طارق متري إلى أن العرب أهملوا لفترة طويلة الأقليات وما ينتج عنها من هموم ومشاكل مثل أكراد العراق على سبيل المثال. ومعظم تلك النزاعات كانت مرتبطة بالمصالح السياسية والاقتصادية بالدرجة الأولى.

وركز على أن العرب ظلوا مرتبطين بمفهومي: التقليد والتجديد، وما يضمرهما من حركة فكر وخصوصية معينة. ولكن هذه الحالة سرعان ما تغيرت وبدأ البعض يتحدث عن هزيمة يونيو/ حزيران 67 باعتبارها منعطفاً. ومنذ ذلك الحين بدأت أسئلة الهوية تطغى بشكل أو بآخر على هواجس التنمية. وبرز سؤالان وجوديان وهما: من نحن؟ وهل يعترف الآخر بنا؟ وأصبحت مسائل التراث والذاكرة والخصوصية مفاتيح نزاعاتنا. وباتت الثقافة محّرك هذه الخلافات ومحاولة فهمها. وشهد العالم العربي تجارب الشعوب الأخرى وخاصة ما حدث في حرب البلقان والبوسنة والهرسك. وبرزت تلك الحروب كمدخل لتذكر عداوات كثيرة.

ومع اتساع ظاهرة العولمة وسرعة شبكات الاتصالات صار الناس أكثر تشابهاً وتقلصّ مفهوم الوطنية فيما العولمة طرحت التجانس وتناقضاته في آن واحد. فتولد عن ذلك: التجانس والممانعة. وجاء هانتنغتون بعد »صدام الحضارات« ليطرح كتابه الأهم »من نحن؟« ومن ثم بدأت المواجهة الكونية والتي ظهرت نتائجها في ما آلت إليه أوضاع الأزمة المالية الحالية وغيرها من الأزمات.

وأشار طارق متري في هذه الندوة الهامة إلى أن العرب لا يزالون مشغولين بالمصالح وهواجس الهوية في آن واحد. وعلى الرغم من أهمية سؤال الهوية إلا أنها أصبحت أقل تأثيراً في متغيرات العصر. لذا طالب طارق متري العرب بإعادة النظر في كل تلك المسائل.

فما هو حاصل في الوقت الحاضر هو تقلص الدول المتمسكة باستقلاليتها. لذا فالعرب مطالبون بإعادة النظر في النظام المالي العالمي بصورة جذرية والبحث عن القيم والمعاني والمقاصد من أجل بلورة فكر جديد قادر على التفاعل مع أزمات العصر وعدم البقاء على هامش التاريخ.

نظرة تفاؤل

أما المفكر الإسلامي هاني فحص فبدأ مداخلته بالقول: »أنني أحاول التقليل من تشاؤمي ولكن ما يحصل لا يسمح لي بذلك«. وأشار إلى أنه ينبغي أن لا ننظر بسلبية إلى نظرة التشاؤم هذه لأنها قد تؤسس إلى حالة تفاؤل قادمة. في مجال العرب والمستجدات الثقافية، أكد بأنه يخشى أن يكون العرب قد تأخروا عن الموعد كثيراً.

فقد تغير العالم وتهاوى العالم الاشتراكي، وظهر تكتل جديد، وهو الاتحاد الأوروبي الذي ما كان له أن يقوم لولا مرجعيته الثقافية. لذا يعيدنا هذا الاتحاد إلى إعادة النظر بين السياسي والثقافي. ومنذ توما الأكويني لم يتحقق تقدم الفكر إلا بامتزاج التجربة مع البعد الإنساني، وكانت الخطيئة مجرد عبور إلى المحبة.

ونحن العرب تخلفنا منذ هجرنا كتاب الطبيعة. وأشار إلى أننا أنتجنا أدباً أدى إلى استيلاء السياسي على الدين، وأصبح لدينا نوعاً من المماهاة بين الديني والسياسي. ولجأنا إلى النص باعتباره قادر على تحريرنا دون أن ندري بأننا نص أيضا.

وأكد على أننا كنا نشعر بعقدة النقص من التقليد ولكن لا بد من أن نطرح السؤال التالي: وما العيب في التقليد إذا كانت اليابان لجأت إليه؟ ولم ينهض هذا البلد إلا بعد سقوطه الأول والثاني لأنه ببساطة شديدة حقق الشرط الأساسي في ثقافته وبحث عن أسباب فشله، أما نحن فكنا بعد كل هزيمة نتعرض لها نقوم بتأليه المهزوم دون أن نعترف بأسباب هزيمتنا. وبقي المقدس هو أزمتنا بدلاً من تحويله إلى مجال حيوي للقاء الآخر، في حين تحولت الهوية إلى صيرورة.

وأشار أيضاً إلى ضرورة دراسة المستجد الثقافي كمخرج وحيد من الشرور المستطيرة. وناشد هاني فحص الشراكة الثقافية لأوروبا من أجل إعادة أميركا إلى رشدها. وقال بأن الحرب بدلاً من الوقوع في الحيرة، يجب أن يبحثوا في نعم العولمة بدلاً من الاقتصار على نقمها من خلال تحقيق شروط الشراكة.

وركز على أن العرب ما زالوا خارج المشهد وينبغي عليهم ترحيل همومهم إلى المصدر الثقافي، والتحلي بمعرفة مختلفة عن الدين والدنيا لا التعلق بمفهوم العروبية العقائدية بل ينبغي الانتقال إلى العروبية الثقافية المستمدة من الإسلام، أي إقناع المسلمين بالدخول إلى مرحلة ما بعد الحداثة وضرورة إعداد أنفسنا لهذا المخاض ونقد المعايير. فالخلاص هو فردي من خلال الخلاص الجماعي.

وفي النهاية قال: أسعى لوصفة أولية للموضوع أي علاقة العرب بالمتغيرات الثقافية من خلال ورشة عمل تقرأ حالنا من خلال المعرفة الحقيقية وهي لا تأتي إلا بواسطة الشراكة والابتعاد عن العصبيات الطائفية في فضائنا العربي التي من شأنها أن تضع الدم بدلاً من الحبر.

مواقف

* أكد طارق متري على أن العرب مطالبون بإعادة النظر في النظام المالي العالمي جذرياً والبحث عن القيم والمعاني والمقاصد من أجل بلورة فكر جديد قادر على التفاعل مع أزمات العصر وعدم البقاء على هامش التاريخ.

وركز على أن العرب ما زالوا خارج المشهد وينبغي عليهم ترحيل همومهم إلى المصدر الثقافي، والتحلي بمعرفة مختلفة عن الدين والدنيا لا التعلق بمفهوم العروبية العقائدية بل ينبغي الانتقال إلى العروبية الثقافية المستمدة من الإسلام، أي إقناع المسلمين بالدخول إلى مرحلة ما بعد الحداثة وإعداد أنفسنا لهذا المخاض ونقد المعايير.

* أكد المفكر الإسلامي هاني فحص على أننا كنا نشعر بعقدة النقص من التقليد ولكن لا بد من أن نطرح السؤال التالي: وما العيب في التقليد إذا كانت اليابان لجأت إليه؟ ولم ينهض هذا البلد إلا بعد سقوطه الأول والثاني لأنه ببساطة شديدة حقق الشرط الأساسي في ثقافته وبحث عن أسباب فشله، أما نحن فكنا بعد كل هزيمة نتعرض لها نقوم بتأليه المهزوم دون أن نعترف بأسباب هزيمتنا. وبقي المقدس هو أزمتنا بدلاً من تحويله إلى مجال حيوي للقاء الآخر، في حين تحولت الهوية إلى صيرورة.

شاكر نوري