ينزعج العديد منا على نحو مستمر من كثرة انتشار الأمراض في مجتمعنا، خاصة الأمراض المستجدة التي لم يسمعوا باسمها قبل عشر أو عشرين سنة مضت، ويتساءلون عن الأسباب، ويشعرون بأنفسهم كالتائه في صحراء دون بوصلة يعتمدون عليها في تحديد اتجاهاتهم، وفوق ذلك كله يضعون أياديهم على قلوبهم توجسا لإصابتهم بمرض خطير قد لا يعرفون سببه أو علاجه.

بيد أن الأسباب بسيطة جدا، إلا أننا لا نتمكن من رؤيتها في الأفق المزدحم والوقت الضيق. وإن عرفنا الأسباب لاستطعنا حل معظم تلك الأمراض، أو الحؤول دون وقوعها، ولعاش معظمنا مطمئن البال على الأقل، بأنه سالك الطريق الصحيح، وبأن نسبة إصابته بأي مرض في حدودها الدنيا.

عندما تسيطر التجارة على معظم مناحي الحياة، تبدأ الأمراض في النشوء. تلك الجملة خلاصة كلام سأذكره تاليا. ففي السابق، وعندما كانت الحياة بدائية، كان الناس يضطرون إلى زراعة محاصيلهم وإلى صيد اللحوم إن كانت غير داجنة، وتربيتها إن كانت داجنة.

وتحضير وجباتهم بأيديهم، وبالتالي كانت الوجبات التي يتناولونها طبيعية إلى أبعد الحدود. كما أن أجسامهم كانت أقوى من أجسام بني البشر اليوم، فالسعي وراء توفير لقمة الطعام كان في حد ذاته مشقة نعتبرها في قاموسنا العصري رياضة لتقوية الجسم.

ولكن، وبعدما بدأت التجارة بالظهور - وكما هو متعارف عليه، فإن التجارة توظف جميع الأساليب من أجل زيادة الأرباح ؟ بدأت الشركات تتبع أساليب مستهجنة ومنحرفة في كثير من الأحيان من أجل الحصول على المزيد من المال. فعلى سبيل المثال، تقوم المزارع التابعة لإحدى شركات الوجبات العصرية بحشر الدجاج في قفص يضيق كثيرا بأعدادها، لدرجة أن العديد منها تفقد عقولها تحت وطأة الضغط.

ولحمايتها من مهاجمتها لبعضها البعض في ظل هذه الظروف، تقوم المزرعة بقص رأس المنقار وهي لا تزال صغيرة. وتلجأ المزرعة إلى إطعام الدجاج مضادا حيويا لحمايتها من الأمراض التي تنتج عن ترك رفقائها الميتين في ذات القفص معهم. فهم يمشون عليهم، ويقتاتون من أجسادهم. فتنتشر الأمراض بسهولة بينها تحت تلك الظروف، لدرجة لا يتمكن فيها الدجاج من مواصلة الحياة دون المضادات الحيوية.

كما أنها تقوم بتقديم الأدوية لها حتى يزداد وزنها كثيرا بشكل مطرد لدرجة أن أقدامها الصغيرة لا تستطيع تحمل أوزانها. فهي لا تزال تمتلك عظام وقلب دجاج يبلغ من العمر ستة أسابيع، ولكنها تمتلك جسم دجاجة بالغة. ولذا فإن العديد من الدجاج يلفظ أنفاسه بسبب أمراض القلب.

ولك أن تتخيل كمية الأمراض التي يصاب بها الدجاج الذي يترك غائطه في ذات القفص ليدوس عليه وليتنفس الهواء الفاسد الذي يحيط به. ولا أحتاج لأن أذكر المزيد، فالجبين يندى ليس فقط للمعاملة التي يتلقاها الدجاج، ولا للوسيلة التي يستخدمونها من أجل الحصول على مزيد من الأموال، بل أيضا لتقديم وجبات فاسدة كهذه ليأكلها بني البشر. وقس على ذات المنوال جميع التجارات المختصة بإنتاج الغذاء.

jlaila_badri@yahoo.com