ليس سهلاً على الدوام تحقيق التوازن الدقيق بين متطلبات الحياة بمسؤولياتها وواجباتها وبين الالتزام بالحاجة الاجتماعية والعلاقات بين الناس نظراً لتشابك الأوقات وضيق الفسحة للانبساط في تمتين مثل هذه العلاقات. وفي غمرة الحياة المليئة بالأشواك وبتعقيداتها وتراكم المسؤوليات والمشكلات يشعر الكثير من الرجال بابتعادهم عن بعضهم، ومع ذلك فهناك القليل بغض النظر عن العمر ممن لا يجدون ثراءً لحياتهم إلا من خلال صداقتهم لرجال آخرين.
إن المجتمع الذي يحيط بنا الآن لا يركز كثيراً على الصداقة بين الرجال لأنه أمر قد لا يبدو ذا أهمية لانشغال الكثير منا بأمور لا غنى عنها وقد تكون اهم من الصداقة بنظر البعض، والرجال الذين يملكون صداقات قوية يجدون صعوبة في الحفاظ عليها وذلك لارتباطهم بالزواج والانشغال بالحياة اليومية وما غير ذلك من متطلبات لقمة العيش التي أصبحت من اهم مشكلاتنا كمواطنين او وافدين ولم يعد مقبولا كما كان آباؤنا وأجدادنا في العهد السابق حيث يرون أن الصداقة الوفية تفوق أهميتها الحياة الأسرية في بعض الأحيان..
خالد عبد الجواد مفضي...طالب في كلية التربية يرى أن ابتعاد الرجال عن بعضهم البعض أمر بات غير مصدق، وما دفع إلى ذلك بالدرجة الأولى هو حياة الرجل التي أصبحت تعج بساعات القيادة الطويلة والعمل لساعات مضنية.
وقال: إن مشاركة الرجل لزوجته بالأمور البيتية وتربية الأبناء أهم من الأصدقاء، فلذلك لم يعد هناك وقت كاف للالتقاء بالأصدقاء، مما أدى إلى تدهور العلاقات، وفي الكثير من المناسبات الاجتماعية أصبح الرجل مطالباً بالبقاء بجانب الزوجة مما يجعله يلجأ إلى التفاوض مع أصدقائه بشأن الوقت الذي سيقضيه معهم الشيء الذي يؤدي إلى جفاف ينابيع الصداقة.
فالزوجة في العادة لا تشجع الزوج على الاحتفاظ بعلاقته مع أصدقائه مع الرغم انها تدرك كم هو مهم للرجل بناء علاقات وأصدقاء، ويؤكد مفضي أن الزوجة هي السبب الرئيسي لابتعاد الرجال عن بعضهم بالرغم من أن المرأة تقضي الكثير من الوقت مع صديقاتها، فهنا يكون للرجل الكلمة النهائية اما ان يصادق وإما ان يرضخ للزوجة وتبسط سيطرتها على كل شيء حتى باختيارها أصدقاء زوجها في بعض الاحيان وهنا الكارثة والطامة الكبرى.
دور الرجل
وقال سلام ممدوح البطاينة... رجل اعمال ان بذور هذه الظاهرة تبدأ بارتباط الرجل بالمرأة، حيث تحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد لإنجاح هذه العلاقة. ويضيف: من وجهة نظري فإن الرجل رجل في بيته ومع اصدقائه لا تغيره امرأة ولا يغيره أي ظرف كان سوى الموت، فالصديق وقت الضيق فكلنا بحاجة الى ان يكون لدينا أصدقاء فالحياة من دونهم لا تساوي شيئا.
واعتبر سلام ان قضاء الرجل اغلب الوقت مع زوجته يؤدي على المدى الطويل إلى تقلص العلاقة بينهما، وبذلك لن يهمش الرجل نفسه من كل أشكال المساندة الأخرى التي يمكن ان يحظى بها فحسب، وإنما سوف ينكر على نفسه أيضا فرصة التحفيز التي يمكن ان يحصل عليها من خارج الأسرة والعمل.
ورأى ان الرجال قد سلبوا حق التعبير عن مشاعرهم تجاه الأصدقاء للظروف الصعبة التي تحيط بهم كغلاء المعيشة والالتفاف حول الأسرة فلذلك يجد الكثير من الرجال أنفسهم تحت دائرة الشك دائما من الزوجات اذا تم التفكير بإنشاء علاقة صداقة مع أي شخص.
سوء الظن
وعن أسباب ابتعاد الرجال عن تمتين علاقات الصداقة بينهم يرى عبدالرحمن تركي العنبر...مدرس لغة عربية أنه ليست النساء فقط من يضعن حدودا للوقت الذي يقضيه الرجل مع اصدقائه، بل إن الرجال هم الذين يفعلون ذلك خوفا من أن لا يساء تفسير هذه العلاقة الحميمة على انه شذوذ أخلاقي لتفشي هذه الظاهرة بمجتمعاتنا العربية، فالزوجة قد تسهم بدور فعال في تشجيع الزوج على تخطي مخاوفه فالمجتمع لا يرحم والمرأة ايضا قد لا ترحم .
واعتبر ان الابتعاد يأتي ايضا من دافع شخصي في الكثير من الاحيان فالقصص كثيرة عن الصديق الوفي، واهمية الصداقة بين الرجال فمثلا اروي لكم قصة الجندي الذي لم ينصع لأوامر قائده حين سأله عن صديقه الذي لم يكن في ساحة المعركة وطلب من قائده السماح له والذهاب للبحث عن صديقه ورفض القائد ذلك الشيء لأنه لم يرد للجندي ان يخاطر بحياته من اجل رجل احتمال ان يكون قد مات.
ولكن ذلك الجندي ذهب وخاطر بحياته وبعد ساعات من البحث عاد وهو مصاب بجرح مميت حاملا جثة صديقه فوق كتفيه، وحينها سأله القائد أيستحق منك كل هذه المخاطرة للعثور على جثة فكان الجواب بالتأكيد فهو صديقي وعندما وصلت إليه لم يكن قد فارق الحياة ولكن كان آخر كلامه لي انني كنت واثقا انك ستأتي لإنقاذي ، فما بالكم ايها الرجال تبتعدون فالصديق هو من يأتي لك عندما تحتاج وتتوقع انه سيأتيك.
غلاء المعيشة
سعيد فؤاد كندري... طالب جامعي يرى أن الرجال ابتعدوا عن بعضهم البعض اولا لظروف الحياة ومن ثم لانشغالهم بأعمالهم، ولكن استشعار الراحة في صداقة الرجال بعضهم ومشاركة بعضهم البعض بقصصهم التي لم يشاركوها لأحد من قبل ولا حتى لزوجاتهم قد يؤثر ذلك تأثيرا عميقا في الرجال.
ومن خلال ذلك يحلق الرجل بهذه المشاعر الصادقة في مكان آمن فوق مستوى الغضب والحزن واليأس مما سوف يمكنه بحق من محبة زوجته أيضاً بصدق وممارسة الأبوة الحقيقية والاستمتاع بكل معاني الرجولة مع الأصدقاء. وقال سعيد ان الصداقة هي كنز لا يفنى فكيف لنا ان نترك هذا الكنز يتلاشى وكيف لنا ان نبتعد كل البعد عنه.
فالرجل يجب ان يبني علاقاته لا لأجل مصلحة دنيوية فعليه ان يسال الله ان غاب ويتفقد أسرته اذا سافر مع أصدقائه، والصداقة بحد ذاتها هي علاقة ذات صلة بالله عز وجل فالصديق يزور صديقه اذا مرض ويطرح السلام عليه اذا لقيه ويتبعه اذا مات، فكيف يستطيع الرجل ان يعيش بدون صداقة الا اذا كان مغلوباً على أمره .
ورأى أن كثيراً من الرجال ينشرون محاسن بعضهم وصفات بعضهم البعض للآخرين فالصداقة مهمة وابتعاد الرجال حسب وجهة نظري قد تكون ايضا النساء سبب رئيسي فيه. فالرجل يجب ان ينظر الى الصداقة من منظور آخر، وان لا يكثر المماراة والمجادلة ولا يجعل لذلك سبيلا لهجرة وخصام أصدقائه وعدم الإساءة والظن فإياكم والظن فإن الظن اكذب الحديث.
الصديق الوفي
اعتبرت ام محمد...ربة منزل ان ابتعاد الرجال عن بعضهم ليس بسبب الزوجة لأن الكثير من الرجال يفضلون قضاء وقت فراغهم مع الزوجات، فالزوجة قد تعطي النصيحة لزوجها اذا كان رجلاً يهتم بلغة الحوار ويتقبل ذلك.
فالفرصة متاحة ايضا لإقامة صداقات وثيقة من خلال العمل، ولكن اذا دققنا في علاقة الرجل مع الرجل كصديق نجدها اكثر تنافسية منها كصداقة، فالرجال يحبون ان يتميزوا عن غيرهم ومن ثم نجد ان الرجال يبتعدون عن بعضهم وانعزالهم تحت شعار منافسة.
وفالت ان الرجال ان صادقوا فهم اوفياء ايضا ومنهم من تكون صحبته خالصة لوجه الله ومنهم من يكون ذا خلق ودين »فالمرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل« كما ورد في الأثر، والعقل الراجح هو اساس الصداقة بين الرجال ومن ثم العدل بين الحياة الزوجية والصداقة، فالصداقة تعني النصح والصديق يسمع نصيحة صديقه ان كان من الاوفياء.
عبدالرحمن الوهيبي

