الكثير من الأمور تثير المشاعر وخاصة إذا كانت إنسانية أو أخلاقية، ومن بين الأمور التي تثير حزني عندما أتحدث مع بعض كبار السن وأفاجأ بمدى افتقادهم للمساندة من قبل الأسرة والمجتمع، وخاصة إن كانوا ممن يعيشون بمفردهم، وللأسف لم يتحدث معظمهم عن أحوالهم بشكل صريح ومباشر لانه أمر مؤلم للغاية لهم.
هذه العزلة التي تفرض نفسها على كبار السن من قبل الاسرة أو الأصدقاء لا تكون في العادة متعمدة، وإنما هي الحياة التي تفرض مثل هذه الأوضاع على البعض.
فنجد أنه عندما يزيد عدد الأفراد وتتفرع الأسرة إلى اسر صغيرة، يجد المسن نفسه يعيش وحيدا بدون اي مساندة فالكل مشغول بالبحث عن لقمة العيش في المدن والمناطق الأكثر تحضرا، حتى إذا كانت الأسرة تعيش بالجوار، فان كبار السن يدركون جيدا مدى الضغوطات التي تفرضها الحياة وظروف العمل مما يجعلهم يحجمون عن طلب المساندة والمساعدة حتى لا يكبلوا ابنائهم بالمزيد من الأعباء والمشاكل، وحول هذا الواقع المؤلم كان لنا هذا الاستطلاع لآراء البعض من الجمهور.
اعتبر محمود موسى محمود، مدير مشرف، أن الرجل كبير السن عندما يكون في عزلة تتضاعف أحزانه، وذلك بسبب تزايد اتساع الهوة التي تفصله عن افراد أسرته، وهي مؤلمة لكثير من الناس أيضا، وحينها نجد مشاعر الاحباط تعتمل بداخل المسن، ولا شك أن الوازع الديني مهم في هذه القضية.
وقد تؤدي هذه العزلة المفروضة عليه الى انفجار قد يطول أفراد الأسرة ويؤذيهم، وقد تكون العزلة أكثر إيلاما عندما يبتعد المسن عن أبنائه، لان التوترات الناتجة عنها غير محسومة وتخلق جدارا سميكا يفصل بينهم.
ورأى انه عندما يكبر الوالدان او الرجال المسنون يكونون متباعدين بدرجة كبيرة عن أبنائهم مما يجعل الأب يتنحى جانبا فالكثير من الابناء اليوم يرفضون حتى اصطحاب آبائهم إلى السوق.
وقالت حفصة سعيد المزين، ربة منزل: ان ظاهرة العزلة لكبار السن ليست حالة فردية ومبالغ فيها، نحن لم نتجاهل كبار السن فالوازع الديني يمنعنا اولا من ترك آبائنا بلا عون ومساندة، والله جل وعلى أمرنا بالوالدين وربط اسمه وطاعته بطاعة الوالدين.
فكيف لنا ان نجهل كتاب الله ونعطي المجال ليكون آباؤنا في عزلة، ولكن تظاهر الآباء المسنين بقدرتهم على التكيف مع حياتهم وواقعهم هو ما يدفعنا إلى الافتراض بأنهم على ما يرام وأفضلية تركهم لحالهم.
فليس كل كبار السن يتمتعون بالحكمة وسهولة التعامل، فمنهم من يكون على درجة كبيرة من العناد والاستبداد والاكثار من المطالب، وإن كان هذا ليس سببا لكي نتخلى عنهم «وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا» صدق الله العظيم.
ورأت جميلة المزين، طالبة جامعية وشقيقة حفصة: أن المشكلة تكمن فينا نحن فالكثير منا لا يرغب في اصطحاب كبار السن الى أي مكان نذهب إليه، نتيجة لعدم الارتياح معهم واختلاف الزمان والأفكار التي يحملونها في اذهانهم تجاه الجيل الجديد، ونحن لا نريد اهمال كبار السن او تجاهلهم وكما ذكرت شقيقتي فان الله أوصى بهم لأنهم قاموا بتربيتنا ونحن صغار لا حول لنا ولا قوة.
وربما من الأسباب التي تمنع الكثير من الناس من صحبة كبار السن هو عدم درايتنا بالمواضيع التي من الممكن أن نتحدث فيها معهم، وهذا يدفعنا إلى اتخاذ موقف وتركهم في المنزل وحيدين.
واعتبر خالد سعيد عطا، مدرب: أن كبار السن لهم الحق علينا كابنائنا ولا نستطيع تجاهل ذلك، ومن يفعل ذلك فهو يغضب الله ورسوله الكريم ويصبح ولدا عاقا لوالديه والمجتمع.
وقال يجب علينا ان نحافظ على كرامتهم، ونحطم الحواجز الدخيلة التي أتتنا من الغرب ولا تمت لنا بصلة، فان أردنا أن نتجاوز التحفظ الذي يفرضه كبار السن على أنفسهم، يجب أن نتعلم طرقا للتلاقي معهم حيث يكونون، فبالتحاور عن تجاربهم في الحياة والى أي مدى هم مستعدون للإفصاح عن مخاوفهم وتطلعاتهم، سيكونوا سعداء ومقبلين على الحوار حتى وإن كان الشخص الذي يحاورهم غريبا عنهم.
فمنهم من يحب هذه الفكرة من منطلق أن قصصهم عن حياتهم الماضية وتجاربهم قد تكون نافعة للآخرين، وهنا سنعطيهم الحق في التعبير ويصبح لهم شأن أكبر من شأنهم كوالدين فقط، بل واستفدنا منهم، خاصة والكثير منهم انسحبوا عن عالمهم بعد التقاعد واصبحوا اكثر خجلا. تجاوز الهوة يتطلب الكثير من الصبر وفتح آفاق جديدة معهم فهم مثلنا الأعلى وهم آباؤنا.
ويرى الدكتور حسن سعيد نصيرات، أخصائي علم نفس: أن الرجل الكبير عندما يكون متزوجا تكون لديه فرصة كبيرة، مقارنة مع غير المتزوج، في الاستمتاع والاحساس بانه شباب بعد التقاعد بدلا من ركنه على الرف.
فعند وفاة الزوجة تكون خسارته على الاغلب فادحة، لاعتماده الشديد لعقود عليها في كل ما يخص شؤون حياتهم، مثل العناية بهم وبكل الأمور الاجتماعية، حتى على مستوى الواجبات في البيت كتناول العقاقير في موعدها بالجرعة الصحيحة، وهذا يفرض تحديا كبيرا لا يمكن تحمله المسن.
ويرى أيضا أن المسنين الذين يملكون بعض المهارات قد يجدوا انفسهم تائهين في ظل هذه الظروف، ومن غير الزوجة يجد الرجل صعوبة في البقاء على تواصله مع افراد الاسرة والاصدقاء لانه سيفتقد في العادة الثقة والمهارة. وسيكون باقي عمره أكثر إيلاما لأنه سيبقى مكبلا بالذكريات الكثيرة، ويرحل مع وفاة زوجته الدفء والتواصل الذي كان يشعر به مع رفيقة دربه.
وقال نصيرات أن مع وفاة الزوجة يرحل معها الكثير من الأشياء المهمة لدى كبار السن كاللمسة الحانية والايماءات الطيبة الرقيقة التي تساعده أساسا على المواصلة، وهنا يأتي دور الأبناء في تعويض هذا النقص الكبير الذي حدث للمسن وإشعاره بأنه لا يزال يعيش في جو من الحنية واعطائه الوقت المناسب لكي يعبر عما بداخله وإلا فالانفجار الذي لا يحمد عقباه سيحدث.
عبدالرحمن الوهيبي
