قصص نعيشها ويعيشها الناس مليئة بالأحاسيس والانفعالات، وكثيرون هم الذين يجلسون في المقاهي يتساءلون عن هذا الغلاء، كل يؤكد عدم استطاعته إعالة أسرته، حتى أصبح الغلاء هاجسا لكل أفراد المجتمع، وبات ظاهرة تؤثر على استقرار الأسر بشكل يحتاج إلى وقفة وإعادة توجيه مصادر الدخل والإنفاق، حتى تتمكن من الخروج من هذه المعضلة.
والحقيقة أن علامات الاستفهام كثيرة، هل تداعيات الغلاء ستختفي بمجرد الاستغناء عن أوجه الترفيه مثلا، أم أنها ستطال السلع الرئيسية في حياة الأسرة التي تعاني أصلا وبشكل مباشر من موجات الغلاء المتتابعة على مستوى الدولة والعالم؟هل حقا أن الغلاء موجة عابرة سريعا ما ستنتهي، أم أنه لن يهدأ لها بال؟ فغلاء الأسعار وما يشهده العالم من ارتفاع متواصل في تكاليف العيش في ظل تدهور سقف الدخل، أصبح مؤشرا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية ويؤكد ذلك العديد من التقارير الصادرة عن جهات دولية ذات صلة مباشرة، والتي حذرت من تداعيات ذلك المد الجامح، وتأثيراته السلبية على النواحي الاجتماعية والأمنية، ولمعرفة المزيد عن هذا الواقع قمنا بإجراء استطلاع آراء مع كثيرين حول هذه المسألة التي باتت هم المواطن والوافد والدكتور والمهندس والعامل وكل فئات المجتمع.
ظاهرة عالمية يرى الدكتور وسيم مينا، أستاذ مساعد بكلية الإدارة والاقتصاد، أن الغلاء ظاهرة تسود العالم، وبلا شك هذه الظاهرة تقلل من الدخل الحقيقي والمستوى المعيشي ما لم يصاحبها زيادة في معدلات الدخل والأجور، وهذا بالطبع يؤثر بدوره على مستوى معيشة الأسرة وإن اختلف من أسرة لأخرى حسب معدل وحجم الدخل.ورأى أن التأثير يختلف من قيم مادية لأشياء أخرى. فالتضخم قد يكون تأثيره ايجابيا على الاستثمار العقاري. والقاعدة هنا، أنه كلما زادت الأسعار زاد خط الفقر، وفي هذه الحالة يعوٌل بشكل كبير على الدعم الحكومي والتضامن الاجتماعي للخروج من عنق الزجاجة، كما أن التضخم يؤثر بلا شك وبشكل مباشر على التحصيل العلمي والمعرفي، بل وتوصيل الرسالة العلمية السامية بدءاً من التلميذ والمدرس وحتى أستاذ الجامعة.وأشار إلى أن الجميع يسعون وراء هدف الكسب المادي متناسين أهدافاً معنوية أعمق وأشمل، كما أن ارتفاع أسعار الكتب والأدوات المدرسية يساهم بلا شك في أن تبلى القيم السامية وقد تصل إلى التعدي على الملكية الفكرية بل وأكثر من ذلك إلى ما يعرف بهجرة العقول.
وقال وسيم إن الغلاء مرتبط بعدة عناصر قوية ومؤثرة. منها على سبيل المثال ارتفاع أسعار البترول الذي يتبعه تلقائيا ارتفاع أسعار التكلفة في الدول الصناعية والمصدرة بشكل ملحوظ، وبالتالي يشعر بها المواطن والجمهور بشكل مباشر بالزيادة التي تطرأ على السلع المهمة حسب نظرة كل واحد لها.
لهذا إن أردنا رسم خطة مستقبلية قد تجنبنا ردة الفعل غير المتوقعة مع ارتفاع الأسعار، فلابد من تنويع مصادر الدخل حتى نكون بمنأى عن ذلك.
وقال إن ذلك سيتحقق باعتماد الزراعة والصناعة كمصادر أساسية للدخل القومي، وأشار إلى أن سعر الفائدة الحقيقية في الدول العربية سلبي وليس ايجابي لان سعر الفائدة الحقيقي يساوي سعر الفائدة الاسمي مطروح منه معدل التضخم، وبالتالي فإن سعر الفائدة الحقيقي سلبي، والميول تتجه بعدها نحو الاستثمارات الحقيقية التي تتمثل في العقارات والأراضي والسلع الدائمة كالسيارات أيضا، فضلا عن الاستثمار المالي في الأسهم والسندات، وخاصة السوق الثانوي البورصة.
وأكد أنه في ظل هذا الاتجاه ومع نقص الخبرة الاقتصادية، بمؤشرات الاقتصاد لدى الكثيرين، قد تحدث زيادة في المضاربات وبالتالي احتمال حدوث أزمة مالية وانهيار في البورصة، وهذا الأمر له تداعيات خطيرة منها فقدان عامل الثقة الدولية في السياسات الاقتصادية وما إلى ذلك من تداعيات على التصنيف الائتماني أو زيادة تكلفة الاقتراض الدولي وهذا بدوره أمر أخطر على الدول الضعيفة اقتصاديا.
تأمين دخل إضافي
ورأت الدكتورة شافية محمد عواد، أخصائية اجتماعية: أن رجال الأعمال والمستثمرين الذين لا ينطبق عليهم اسم محدودي الدخل، لا يشعرون بحجم الزيادة على الأسعار مثل غيرهم من ذوي الدخل البسيط، فمعدل الدخل الذي يكسبونه يفوق أي زيادة وبالتالي الشرائح الاخرى من الذين لا يتماشى حجم الزيادات مع دخلهم، هم فقط من سيشعرون بهذه الفجوة وبلا شك أيضا سيكونون أكثر المتضررين.
واعتبرت أن الغلاء من شأنه أن يولد سلوكيات غريبة أو جديدة على مجتمعنا، كانحراف الأخلاق وربما انتشار ظاهرة السرقة، وزيادة معدلات الجريمة بين مختلف الأوساط الاجتماعية، ويرجع ذلك إلى عدم القدرة على الوفاء بمتطلبات الحياة فضلا عن الضغوط النفسية التي تولد العقبات التي ينتج عنها تصرفات غير مسؤولة، فالإنسان لا يلقي اللوم على الظروف الاجتماعية ويركن على الضياع والفساد، بل يجب أن يسعى لتغيير الظروف المحيطة به والبحث عن مصادر بديلة تعزز قدرته على مواجهة أعباء الحياة المادية.
وقالت إن ذلك لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل يجب تخطي ذلك إلى مستوى الدول حتى لا تقع الدول الفقيرة فريسة التبعية التي تفرضها عليها الدول الغنية والمنتجة، ومن ثم التحكم في سياستها الداخلية والخارجية.
جشع التجار
وأضافت سميرة عمر حجازي، طالبة جامعية، انه كلما زاد معدل الدخل فسوف يكون هناك تباين واضح بين الدخل والاحتياجات المعيشية، نظرا لان الزيادة التي تقدمها الجهات والإدارات ستلازمها زيادة مثيلة في السلع والخدمات، ابتداء من السكن والخبز والسلع الرئيسية التي لا يستغني عنها الفرد والأسرة مهما كان معدل الدخل فيها.
وتقول سميرة انه حين تعتمد أي زيادة من قبل الحكومة لتحسين وضع الفرد فإنها تكون فعلا كفيلة بذلك، ولكن لا يحدث هذا إلا في حال توقف جشع التجار وأصحاب العقارات الذين يتولد عندهم بمجرد السماع عن الزيادة وحتى قبل تعميمها.
ورأت أن الغلاء لا يلازمه في كثير من الأحيان زيادة في الرواتب خاصة في القطاع الخاص، الأمر الذي ينتج عنه زيادة في عدد الأسر الفقيرة في كثير من الدول، وخاصة الأسر التي لا معيل لها، ويتبعه السلبيات والانحرافات التي نراها في كثير من الدول.
ترشيد الأسر
واعتبرت أشجان نوح إدريس، مهندسة ديكور: أن الفقر ملازم للغلاء وهما مرادفان لتأخير التطور في كثير من الدول المسماة بالدول النامية، وعلى الحكومات سواء العربية منها والغربية أن تتطلع بدورها وتحاول أن تكبح جماح الغلاء المتسارع لديها، وضرورة تقديم الدعم الحكومي للسلع الأساسية التي لا غنى عنها للأسر الفقيرة حتى لا يكون هناك فجوة بين الدخل والاحتياجات المعيشية، لكي لا يكون دافعا للأسر الفقيرة للجوء إلى السلوك غير الأخلاقي، مما ينتج عنه آثار سلبية على التنمية التي تسعى لها الحكومات، وهو ما يسمى بخطط التنمية.
الإنفاق الخاطئ
أما ناصر محمود القصراوي، تاجر أثاث، فكان رأيه مختلفا نسبيا، فهو يرى ان الغلاء ظاهرة عالمية غير مرتبطة بدولة، ولكن على الجميع التحرك على المستوى الفردي، فالمسؤولية هنا يلقيها كثيرون على عاتق الحكومات وحدها، وهذا نوع من عدم المسؤولية والاعتماد على الحكومات التي تتحمل الكثير من الأمور.
فالأسر مثلا يجب أن تتخذ النهج الصحيح لكي تتعايش مع أزمة ارتفاع الأسعار كاتخاذ طريقة ملائمة في الإنفاق، ومن ثم يأتي دور الحكومات في عملية دعم بعض السلع الأساسية التي لا غنى عنها من باب التسهيل على مواطنيها والمساهمة في تخطي الحاجز المسمى بالغلاء حتى لا تتفاقم المشكلة وتزداد الأسر الفقيرة التي من خلالها قد يحدث خلل في السلوك والأخلاق نحن بغنى عنه.
واعتبر ناصر أن هذا الأمر يعيق بدوره عجلة التنمية الاقتصادية والبشرية التي تسعى الحكومات جاهدة لتحقيقها، وبالتالي يجب ألا نلقي اللوم على الحكومات ونغض النظر عن طريقة التبذير في الإنفاق والسياسة الخاطئة التي تتخذها بعض الأسر.
دعم الحكومة
وتقول رسمية محمد سليمان، طالبة جامعية: إن الغلاء يولد الفقر وينتج عنه مساوئ كثيرة من أبرزها ما يسمى بنزيف العقول، فمهما كان الشخص العالم صاحب قضية سامية تهدف إلى الارتقاء بالفكر البشري، إلا انه يبقى إنسانا يبحث عن الرفاهية وتوفير سبل العيش الكريم له ولأسرته. وان لم يتوفر ذلك في وطنه فاللجوء إلى الهجرة أمر لا مفر منه إلى بلد يتوفر فيه كل ما يحتاجه، فضلا عن عدم شعوره بالأمن نتيجة انتشار الظواهر السلبية التي يولدها غلاء الأسعار، وبالتالي اتساع دائرة الفقر.
وبدأت أسماء يونس الحاج، طالبة جامعية، كلامها عن الغلاء ووصفته بالشبح الذي يجتاح العالم بأسره، وهو نتاج ارتفاع أسعار البترول في السنوات الأخيرة، وستستمر هذه الموجة من الارتفاع إلى أن تتوقف زيادة أسعار البترول فهي منظومة تجارية عالمية.
وأشارت إلى أنه في ظل هذا الغلاء، أصبح كثير من الأسر غير قادرة على سد فجوة المعيشة واحتياجاتها اليومية أيضا، وبالتالي أصبح العائل لهذه الأسرة غير قادر على الوفاء بمتطلبات أسرته مما قد يؤدي إلى الانحراف كأسلوب لإعالة الأسرة حتى ولو كان حراما أو قد يصل إلى حد التسول.
ورأت انه لا بد من تحديد الإنفاق وعدم الانجراف وراء الشهوات الهامشية والفرعية التي من شأنها استنزاف الدخل دون سد الحاجة الحقيقية للسلع الأكثر أهمية للأسرة.
فلا بد من تخطي هذه الأزمة باتخاذ سياسة أكثر واقعية خاصة وقد يطول أمد هذا الغلاء، ويتوقع عدم عودة الأسعار كسابق عهدها لارتباط بعضها بالبترول.
عبدالرحمن الوهيبي


