كان عام 1969 هو أول عام سجلت فيه أول قضية مخدرات في سجلات الشرطة، مما يعني أن المخدرات لم تكن موجودة في صميم النسيج الاجتماعي لدولة الإمارات، ولا تمتلك تاريخا له علاقة بالإدمان أو التعاطي، فهي لم تزرع أو تنتج أو تروج لها، وإنما دخلت المخدرات مع تطور وسائل النقل وفتح أبواب السفر فجاءت تلك السموم من مناطق أخرى في العالم عرفت بإنتاجها وترويجها.
ولحسن الحظ لم تتعرف كثير من الأسر على هذا العالم المخيف عن كثب، لكن هذا لا يمنع أن يمتلك الأبوان وعيا مناسبا يمكنهما من حماية أبنائهما من الانسياق في هذا العالم، لذا كانت معرفة الأهل مستندة إلى الخوف على أبنائهم من الانزلاق في هذا العالم، حيث قالت سميرة محمد، ربة بيت: لي ابن يبلغ الثالثة عشرة من العمر وقلقي مستمر عليه مع أنه ولد ملتزم ومتفوق في الدراسة لكني أهتم جدا بمعرفة جميع أصدقائه وأفضل أن لا يكونون من جنسيات أخرى لأننا لا نعرف عادات وتقاليد المجتمعات الأخرى، وفي الغالب أقوم بتصفح أوراقه وكتبه ومراقبته لئلا يكون قد تعرف على أصدقاء سيئين أو أهمل دراسته.
أما موضوع المخدرات فهو أمر مرعب وربما لا أعرف الكثير عنه لكني بالتأكيد يمكن أن أعرف إذا كان ابني غير طبيعي أو يكون قد تعاطى أي شيء مخدر لا سمح الله. وتؤكد عائشة خلفان، ربة بيت، أن الأم هي المسؤول الأول عن كل تصرف يقوم به ابناؤها وتقول: ربما أكون أما متشددة في نظر الكثيرين، لكني أحاول تربية أبنائي بشكل يحصنهم من المشاكل المحيطة بهم فنحن في مجتمع منفتح ونجد أشخاصا حولنا بعادات وتقاليد وتصرفات لم نتعود عليها، لذا لا بد من التأكيد على التربية ومتابعة الأم فهي المسؤولة الأولى عن الأبناء، فمن يمكن أن يتنبه للولد إذا كان على غير طبيعته، أو إذا كان يبدو خاملا أو مريضا أو نائما؟ أليست هي الأم التي يجب أن تتنبه لأي تصرف غريب عند أبنها، أم أنها تتركه للإدمان وبعدها تبكي عليه وكأنها غير مذنبة ولا دخل لها في الأمر، وهذه مشكلة الأمهات اللائي ابتلاهن الله بدخول أبنائهن إلى عالم المخدرات.
لذا فاني أحرص على معرفة كل صغيرة وكبيرة تخص أبنائي بل إني عودتهم على عدم شرب الشاي والقهوة إلا في أوقات معينة لكي لا يتعودوا على السهر وجلسات المقاهي التي قد تضرهم وتجرهم إلى أمور أخرى، وهذه مسؤوليتي حتى يكبر الولد ويصبح قادرا على العمل وتمييز الخطأ من الصواب بعدها يمكن أن يفعل ما يريد. ولا تبتعد آراء الآباء عن آراء الأمهات في هذا الشأن، فهم يرون أن من واجب الأهل حماية أبنائهم من الانحراف وسلك السبل غير الصحيحة، فيقول عصام محمد، موظف: لا يختلف اثنان على أن تربية الأبناء مهمة صعبة خاصة في زمننا هذا فقد صرنا نسمع ونرى أمورا كثيرة تدخل إلى عالمنا مع وجود الانترنت والقنوات الفضائية والأصدقاء الذين لا نعرف عن أسرهم شيئا.
لذا فان الحرص يجب أن يكون كبيرا في متابعة كل شاردة وواردة تخص الأبناء سواء في البيت أو المدرسة، فالمدرسة قد تأتي بأصدقاء السوء الذين تعلموا التصرفات السيئة وحملوها معهم إلى زملائهم، لذا يعنيني أن أعرف ما يدور في حياة ابني وكيف يقضي يومه.
وعلى الرغم من أني لم أر في حياتي أي نوع من المخدرات، والحمد لله، فاني احرص على معرفة محتويات جيوب أولادي بشكل غير مباشر سواء عن طريقي أو عن طريق والدتهم لأتأكد من ابتعادهم عن هذا العالم.
الخوف من المخدرات يدفع الأهل لمراقبة أبنائهم ومنعهم من الانزلاق
ويرى الإعلامي والتربوي، سعيد مصبح الكعبي، أن التعامل مع الأبناء هو الذي يحدد توجهاتهم حيث يقول: أحصن أولادي بتعاليم الدين الحنيف وبارتياد المساجد والصلاة لأن الالتزام الديني يعصم المرء عن كثير من الأخطاء التي تشكل تهديدا وخطرا مغلفا بالإغراء.
وتعاملي مع أبنائي لا يعتمد على النصائح المباشرة لأن تلك النصائح تكون ثقيلة على النفس فأنا أعرفهم بمخاطر المخدرات عن طريق رواية حياة مدمن خسر حياته وثروته وصحته بسبب تعاطيه للمخدرات أو أطلعهم على خبر صحافي بهذا الشأن أو أشاهد معهم برنامجا تلفزيونيا عن الإدمان.
وكذلك أعرفهم بخطورة رفقة السوء وضرورة أن يصاحب المرء أشخاصا يثق بهم، وأنا أحرص على مرافقة أبنائي للتنزه وخلق جو نفسي مناسب، لكني لا أوفر لهم كل شيء كي لا يبحثوا عن اللاشيء، فإذا استطاع الأبناء الحصول على أي شيء يرغبون به سيبحثون عن أشياء غير موجودة وغير مسموحة، لذا فإني أوفر ما يرغبون به في حدود لتكون للأشياء قيمتها.
انعدام الترابط الأسري
وتبدو الأسباب النفسية للإدمان والدخول في عالم المخدرات مرتبطة بشكل مباشر بالأسرة وترابطها، حيث يرى الدكتور خليل الكرخي، اختصاصي الأمراض النفسية، إن الأسباب الرئيسية للإدمان على المخدرات تأتي من عدم وجود الترابط الأسري واضطراب الشخصية والضغوط في البيت والعمل وعامل العمر إذ تكون أعمار المراهقة هي الأكثر عرضة للإدمان والأقل حصانة أمام المخدرات والأمر يشمل الذكور والإناث، وأهم الطرق للحماية من المخدرات تكمن في التربية الجيدة والمراقبة عن بعد.
إضافة إلى وضع استرتيجية معينة تخطط لحياة الطفل وتربيته فلا تترك الأمور على عواهنها، فالحرص على تنشئة الطفل في بيئة صحية خالية من المشاكل والخلافات، الأمر الذي يشعره بحالة الاستقرار العاطفي والنفسي، يجعله قادرا على الحكم الصحيح في اختيار أصدقائه وتصرفاته في الخارج.
اسلوب العلاج
وحول علاج الإدمان يشير الدكتور الكرخي إلى أنه عندما يتلقى المدمن علاجا للإدمان فإن مواد مهدئة تقدم له لمدة تتراوح من أسبوعين إلى ستة أسابيع، لكن بعض المدمنين يعتقدون أنهم سيحصلون على تلك المهدئات بشكل دائم فيستمرون في طلبها.
بينما تكون تلك المهدئات ومسكنات الألم جزءا من العلاج، ففي مرحلة انسحاب المادة المخدرة من الجسم ترافق المدمن أعراض صعبة، مثل آلام المفاصل ورشح وتعرق في الجسم وصعوبة في التركيز وسرعة الانفعال والاكتئاب، لكنها مرحلة ضرورية لعلاج الإدمان والتخلص من المخدرات.
ومع ذلك توجد شخصيات سايكوباتية منها الشخصية الانغماسية التي يكون من السهل عليها الدخول في عالم الإدمان لكنها لا تخرج منه، فهذه الشخصية غير قابلة للعلاج ولا تستجيب له وغير مهتمة بآراء الآخرين بل انها تطلب المزيد من المخدرات حتى لو كانت داخل المؤسسات العقابية أو تخضع للعلاج في مركز لعلاج الإدمان.
وتكون للإدمان انعكاسات سيئة من جوانب متعددة، نفسية واجتماعية واقتصادية، وقد يؤدي إلى العنف ضد الأسرة لأن مدمن المخدرات يكون منفصلا عن الواقع ولا يدرك ما يقوم به ويتوقع أن يصدر منه أي شيء.
الرعاية والأمان الأسري
ومن الناحية الاجتماعية، تؤكد الباحثة الاجتماعية، نورة النقبي أن فقدان الرعاية والأمان الأسري تؤدي بالمراهق إلى الإدمان، فحين يكون التفكك الأسري والمشاحنات المستمرة طريقة لحياة الأبوين يبحث الفتى أو الفتاة عن الحب والعطف لكنه لا يجده في محيط الأسرة.
إضافة إلى وجود أوقات الفراغ الكثيرة غير المستثمرة وتوفر المال بيد المراهق تجعله يبحث عن المغامرة والإثارة والسعادة التي ربما يعتقد أنها موجودة في المخدرات، وإذا ما اجتمعت عدة عوامل منها رفاق السوء والمشاكل الأسرية إضافة إلى وقت الفراغ وغياب الوازع الديني فإن هذه الأمور يمكن أن تحول الفتى أو الفتاة نحو طرق الانحراف سواء بالمخدرات أو غيرها.
لذا لابد من متابعة الأهل لأبنائهم ومتابعة سلوكهم متابعة إيجابية وليست متابعة ضغط وتشدد، كما ينبغي توفير الأمان النفسي والعاطفي للأبناء ومنحهم الاستقرار لحمايتهم من مغريات الخارج، ولابد من أن يكون دور المدارس كبيرا ولا يقل أهمية عن دور الأهل.
ففيها يمكن أن يجد الطالب قدوته في المعلم الذي يجعله يتجه نحو التصرف السليم، ولا ينبغي إغفال دور الإعلام الذي أصبح يدخل في تفاصيل حياتنا وخاصة التلفزيون الذي يجب أن لا يقدم نماذج المدمنين وكأنهم يعيشون حياة سعيدة فالمراهق يمكن أن يقلد تلك النماذج ويبحث عن سعادته المفقودة في عالم المخدرات لذا لابد من نشر التوعية بالمخاطر التي تسببها المخدرات وكيف يمكن أن تتجه بالمدن نحو الهلاك.
دلال جويد



