رغم الإجراءات المشددة والمتابعة الدؤوبة من الأجهزة المعنية في الدولة لمعاكسي الفتيات في الأماكن العامة إلا أن مثل هذه التجاوزات إضافة إلى أنها لم تنته تماماً، فقد اتخذت شكل المطاردة الصامتة من قبل بعض الشباب للفتيات في مراكز التسوق وغيرها من الأماكن العامة في محاولة لتجنب المسؤولية القانونية المشددة في مثل هذه الأوضاع، وفي كل الأحوال نحن أمام ظاهرة مزعجة للفتيات وأسرهن.
بحيث يفكر الأب عشرات المرات قبل أن يقرر اصطحاب بناته إلى أماكن محددة أو السماح لهن بالذهاب وحدهن إلى تلك الأماكن، يسوق بعض الشبان المتورطين في هذه العادة السيئة مبررات واهية ترتبط أحيانا بحالة عدم الاحتشام التي تظهر بها الفتيات ما يدفعهم إلى ارتكاب مثل هذا الفعل، ومنهم من يقول أنهم كشبان هم يتعرضون إلى المعاكسة من قبل الفتيات.. المبررات متعددة ولكن يبقى هذا الفعل غير محمود ويحمل دلالات على خلل في التربية، إضافة إلى أنه في جانب منه انعكاس أكيد لإشكالات نفسية يعاني منها صاحب هذا السلوك. مسؤولية الفتيات ويرى قاسم عيسى، طالب جامعي: أن ارتداء الفتيات لملابس فاضحة تكشف عن أجزاء كثيرة من أجسادهن يستفز المراهقين والشباب الذين يعتبرونها دعوة مبطنة لمغازلة الفتاة، مشيراً إلى أن تذمر الفتاة أو أسرتها من معاكسة الشبان لابنتهم يجب أن يدفعهم إلى محاولة ضبط ما تلبسه ابنتهم وجعله في حدود المنطق والحشمة.
تغيرات اجتماعية
وأشار أحمد الكسواني، موظف، إلى أن »التحرش والمعاكسة« يعد مسؤولية مشتركة بين الذكور والإناث، انطلاقاً من حالة الانفتاح الاجتماعي وتغير دور المرأة في المجتمع والتي أصبحت على العكس من العقود السابقة تمتلك فرصة الخروج من المنزل والعمل في أماكن مشتركة مع الذكور، إضافة إلى تعدد ما ترتديه من ملابس بعضها محتشم وآخر فيه قدر كبير مما يكشف عن مفاتن المرأة، لافتاً إلى أن هذه الاعتبارات تستحق نظرة شاملة متسامحة من طرف الجميع طالما أن الأمور لاتصل إلى حدود الخطر.
خلل إعلامي
وقال جبريل يوسف، طالب، إن وسائل الإعلام المختلفة وبشكل رئيسي القنوات الفضائية تلعب دورا سلبياً على هذا الصعيد لجهة التوجيه الجنسي الخاطئ للشباب منذ مرحلة الطفولة، إلى جانب تشجيعها البنات على الابتعاد عن مظاهر الحشمة والوقار في القول واللباس، مؤكداً أنه قد آن الأوان لكي يتم من جهة تفعيل دور الأسرة في إنشاء جيل سوي، ومن جهة لتوضيح حدود مسؤولية المدرسة وبقية مؤسسات الدولة المعنية.
ورأت هناء جابر، موظفة، أن هذه العادة السيئة باتت متكررة بالنسبة للسيدات والفتيات، ما يجعل عدم الاكتراث بها وبأصحابها هو الحل الصحيح، موضحة أنها تشفق على هذه النوعية من الشبان الذين يقضون معظم أوقاتهم في الشوارع لملاحقة الفتيات والتحرش بهن.
بيئة محافظة
ولفتت زميلتها أروى سليمان، إلى ضرورة إيجاد العذر أحياناً لأصحاب مثل هذه التصرفات استناداً إلى دور البيئة الاجتماعية المحافظ الذي لم يوفر البيئة السليمة للقاء الجنسين في ظروف صحيحة، مشيرة إلى أهمية هذا الأمر، لأن الحرمان من الشيء يؤكد ويعزز الحاجة إليه تماما مثلما يدفع إلى التصرف بطريقة مرفوضة ضمنياً من قبلهم، مؤكدة ضرورة قيام المجتمع بإيجاد الوسائل التي تتيح حالة التواصل بين الشبان والفتيات في ظروف صحية بعيداً عن الضغط والتخويف.
ورأت هيفاء قاسم، طالبة جامعية، أن المعاكسة قد تكون لدى بعض الشبان أمراً عادياً ومستساغاً من قبل البعض، فالشبان يمارسون هذه العادة بكل أريحية ومن دون حد ادنى من الحرج او الشعور بالخجل، مشيرة إلى أنها عندما تسير في الشارع تحاول أن لاتكترث بهؤلاء الشبان كي لا تسمح لنفسها سماع الكلمات السيئة والبذيئة احيانا، مؤكدة أن الشاب الذي يقوم بمثل هذه التصرفات، هو ابن بيئة متخلفة اجتماعيا واخلاقيا وتعاني من الكبت والقهر الاجتماعي.
ويرى خالد جاسر، مدرس، أن المجتمع يتحمل المسؤولية الكبرى عن مثل هذه القضية استناداً إلى الثقافة الاجتماعية التقليدية التي يعيشها ويحافظ عليها، مشيراً إلى أن هذه الثقافة هي التي تتحمل المسؤولية الرئيسية عن مشكلات الشباب التي تحدد تصرفاتهم السيئة وتجعلهم يبدون تائهين يتخبطون بكل ما يجدونه أمامهم.
مداعبة غرور
قالت فاطمة الشاعر، موظفة، إن هناك من النساء والفتيات من تجد متعة وتسلية بمعاكسة الشبان لهن كلامياً في الطريق، كون هذا قد يحقق لهن شيئاً ما يرضي أنوثتهن وغرور، لافتة إلى أن هذا التصرف يقلل من قيمة وقدر الشاب قبل أن يقلل من قيمة الفتاة.
فوائد الاختلاط
وقال الدكتور محمد عبد الكريم الشوبكي، أستاذ الطب النفسي العلاجي، أن معاكسات الفتيات من الظواهر المنتشرة كثيرا في كل مكان، إلا أن حدتها قد تزداد أو تقل بحسب الظروف الاجتماعية وتبعا لمدى الاختلاط بين الجنسين في هذه المجتمعات.
وأوضح أن معظم من يقوم بالمعاكسات هم من فئة المراهقين أو الشباب، الذين ينمون ويكبرون في مجتمع يفصل بين الرجل والمرأة منذ سنوات مبكرة من عمرهم، وتقوم الأسرة بدورها التقليدي في تربية الأبناء، فيتربى الذكر على أنه هو من لديه السلطة وصاحب الكلمة، فيما تربى الفتاه على التبعية والرضوخ.
فينشأ كل منهما وله دور يؤديه في ذهنه من ضوء ما يختزنه من مفاهيم للعادات والتقاليد في المجتمع الذي هو فيه من دون أن يكون هناك فهم حقيقي لنصفه الآخر فتكون المعاكسات في بعض الأحيان من باب الاستكشاف لهذا النصف الحاضر الغائب.
وأضاف الدكتور الشوبكي إن الفراغ يأتي بعد ذلك ليتلقف الشباب وخصوصا في العطلات حيث تكتظ الشوارع والأسواق بمن لاغرض لهم فيه ولا حاجه إلا للتسلية والتسكع.. فلا توجد أماكن تحتويهم كأندية رياضية أو متنفسات عامة، مشيراً إلى أن هذه المعطيات تجعلنا نرى مجموعة هنا أو هناك قد رصدت لها قاعدة استراتيجية أمام المحلات لاهم لها إلا تصويب النظرات وإطلاق الكلمات النابية على من أوقعها حظها للمشي بجانبهم!
وعلى صعيد متصل رأى الدكتور الشوبكي أن ضعف الوازع الديني له دور كبير في تحديد سلوك الشباب، ما يتطلب تعزيزه، مؤكداً أنه لو تذكر هؤلاء الشبان أن ديننا الحنيف قد أمر بغض البصر وكف الأذى عن الطريق، وأن الرسول (ص) قال: (استوصوا بالنساء خيرا) لما كنا نسمع ونشاهد ما يحدث هذه الأيام في شوارعنا وأسواقنا.
خالد اللوباني

