يتعامل الأب مع أبنائه على نحو يختلف تمام الاختلاف عن تفاعل الأم مع أبنائها وافتقاد الأب مهارة التعبير عن مشاعره وحبه للأبناء لا يعني انه لا يهتم بهم، ولكن المهم هو تشجيع الأب على أداء دور فعال مع أبنائه بدلا من أن يبقى سلبيا، عندما يشجع الأب على إقامة علاقة كاملة مع الأبناء والتعبير بشكل كامل عن كل ما يفكر ويشعر به فسيعود ذلك بالنفع على الجميع.
والأب بحاجة لأن يعرف مقدار ما يعنيه هذا بالنسبة لأبنائه طالما أراد أن يصبح ولده طبيبا أو مهندسا، ولم يكن راضيا عندما يقرر الأبناء دراسة شيء مختلف عن رغبته، وبالنهاية يتقبل الآباء قرارات الأبناء.فالقضية هنا أهمية قضاء الأب وقتا مع الابن والمفترض أن يكون الابن بحاجة للأب وليس العكس، ليتعلم من خلالها الابن مقتضيات الرجولة والتعامل مع الناس وغيرها من هذه المسائل المهمة لتنشئة الابن.. أجرينا هذا الاستطلاع مع كثير من أولياء الأمور وأبنائهم حول هذه القضية لعلنا نقرب وجهات النظر بين الآباء والأبناء. الثقة بالنفس قال أمجد وجيه عبدالرحيم، يعمل مصوراً: الدفء والحب الذي يمنحه الأب لابنه أمر بالغ الأهمية لأنه يساعد على ترسيخ قاعدة مهمة يمكن أن ينطلق منها الابن ويتعلم من خلالها الايجابية ويصبح رجلا مكتمل الرجولة.
وأضاف ان تمسك الأب بالتقاليد القديمة وعدم التحدث مع الأبناء عن مشاعره والسطحية في التعامل والاستبداد بالرأي يتيح الفرصة لايجاد ولد ضعيف الشخصية، وليس هناك أفضل من الأب لتلقين الابن كيفية التعبير عن نفسه واختبار قوته، واكتساب الثقة وتعلم المكسب والخسارة.
وأشار إلى أن اندماج الابن مع أبيه سوف يجعله يتعلم أيضا السلوك المقبول وعواقب السلوك غير المناسب، وسوف يبدو الأمر أكثر سهولة بالنسبة للابن عندما يكتسب هذه المهارات الحياتية الأساسية في جو يسوده الأمان والمساندة وليس من خلال التجربة والخطأ.
واعتبر أن هذه الطريقة في تربية الأبناء لها جدوى وآثار ايجابية على الابن لصقل شخصية المستقبل لديه، وذلك مما اكتسبه من خبرة واسعة من أبيه، وعليه تبدأ معاركه مع الحياة بالطريقة السليمة المبنية على أساس نموه الفكري والعقلي.
ولا تتدخل هنا أي عوامل نفسية قد تقف أمام تصرفات الابن، ولا أي معوقات خارجية تستطيع أن تعكر مسارات الابن الصحيحة المبنية على أساس متين، وهذا هو أساس النجاح بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فوجود الأب في المنزل قريبا مع أبنائه عامل أساسي ومهم، بعكس من ينظر إلى المادة والسفر بعيدا عن أسرته تحت شعار تأمين حياة أفضل للأسرة، فهو بذلك يكون قد حكم على أسرة وجيل بالضياع لان وجوده بقرب أسرته هو العامل الذي يضمن له ولأسرته حياة مليئة بالمحبة والاستقرار خالية من علامات الاستفهام والتعجب.
تجارب الحياة
واعتبر ميلاد نصر اندروز، مدير فندق، أن الابن لا يتطلع إلى كلمات الحب والتشجيع من أبيه، ولكنه يرى أن التجارب والخبرات المشتركة هي أهم لجعله ولدا يعتمد عليه في المستقبل.
ورأى أن مع غياب الأب عن البيت، سواء كان من الناحية العاطفية أو بشكل فعلي، يشعر الابن بأنه يواجه غياب والده وتخليه عنه بانجرافه إلى أصدقاء السوء لتعويضه هذا الحنان، لافتقاد الابن عنصر العاطفة الأبوية طوال حياته لعدم وجود أي أنشطة مشتركة أو أحاديث بين الأب وابنه. وقال انه عندما يفقد الابن والده كراع يفتقد بذلك الحس الحقيقي للرجل وقد يتكرر هذا الأمر عبر الأجيال ويجب التصدي له، لأن هناك مكان ما بداخل كل واحد منا يعاني الخواء ولكن هذا المكان يعج في المشاعر العميقة المجروحة المتراكمة والتي تولدت نتيجة لابتعاد الأب عن الأبناء وعلاقته السطحية بهم.
وأوضح أن من أعراضه حب واشتياق الأبناء لآبائهم، فكل الأبناء يتوقعون دور فعال يستطيعون من خلاله تحقيق الرجولة المطلوبة منهم.
الأم المربية
وقال محمد عبدالعظيم الشربيني مدرب رياضة انه عندما يعاني الابن من ابتعاد والده عنه يمكن للألم وسوء الفهم أن يتسربا بسهولة ويعكرا صفو العلاقة بينه وبين والده، ما يزيد من هوة التباعد أكثر فأكثر.
ورأى أن الأبناء اليوم أكثر وعيا ونضجا وفهما للحياة، كما أنهم يملكون قدرا من الحرية يفوق الماضي، ولكن هذا لا يجعل لديهم ملكة اتخاذ القرارات الصحيحة. فكل الأبناء بحاجة إلى قدوة، وهو الذي يجسد لهم المثل الأعلى في حياتهم والمسؤولية. فدور الأب المفقود داخل الأسرة له أهمية من الدرجة الأولى.
فالأب يكون له تأثير كبير على الأبناء من خلال تواجده المستمر داخل أسرته. بما أن الأم مشغولة في ترتيب المنزل واعداد الطعام للأبناء، ولكن عندما يلقى على عاتقها تربية الأبناء والحفاظ عليهم من الوقوع بالأخطاء الفادحة التي قد تصل بهم إلى مصير مليء بعلامات الاستفهام، لان الأب مشغول في العمل ولا يوجد عنده الوقت الكافي للاطلاع على تصرفات أولاده وبناته.
فهذا يصل بالأم إلى درجة الإحباط واللامبالاة لما يفعله الأبناء خوفا من أن يتسري إليهم الشعور بنقص شخصيتهم كرجال للمستقبل، ويبقى الضحية الأبناء تحت شعار أب يعمل وأم خائفة على أبنائها والنتيجة أولاد غير مكترثين.
جرح الأبناء
واعتبر خالد عزوز علي، يعمل حارس أمن، أن عدم إدراك الأب انه قد جرح ابنه بابتعاده دائما عن المنزل لن يجعله يملك مهارة الاعتذار والتراجع والتواصل.
وهذا يعود بنا إلى طريقة تربية الأب للابن مما يجعل الابن يجد نفسه عاجزا عن التصرف أمام المواقف الصعبة، وغير ذلك فان تربية الابن عن طريق الأم دون وجود الأب قد تخلق منه شخصية عاطفية وحساسة بعيدة عن سمات الرجولة لغياب دور الأب المربي، ومن ثم يحصل الابن هذه الصفات من والدته، ومن المؤسف ألا يجد الأب وسيلة جيدة يعرب بها عن مشاعره لابنه، وان كان هذا الأب مسافر أو مقيم خارج البلاد فيجب عليه أن يعلم أن للأبناء الحق في وضع حد لابتعاده عنهم، فهم جيل المستقبل وعماد الوطن. فكيف ننشئ هذا الجيل والآباء أساسا في مكان بعيد عنهم.
الابن حين يصبح رجلا يجد نفسه لا يحمل إلا القليل من الذكريات عن والده فيسيء الفهم ويأخذ موقفا لا رجعة فيه من أن والده هو الذي كان بعيدا عنه، ويحمله مسؤولية أخطائه وسلوكياته التي لم يكن هناك رادع لها وهو صغير، فالأم هي التي ربت وهي التي تحملت أعباء الولد، وكان دور الأب إرسال المال للأسرة المفككة، ولكن من خلف جدران المنزل الذي ابتعد عنه من أجل توفير لقمة العيش وحياة مستقبلية كلها راحة، ولكن متى تتحقق؟
وللأسف فإن الآباء عندما يقررون الغياب لسنوات عن الأبناء، لا يتذكرون أنهم سيدفعون المقابل أيضا وسوف يخسرون حب الأبناء دون أن يدروا، وإلى جانب هذا سيخسرون أيضا تعب وسهر الليل من اجل توفير حياة أفضل للأسرة، والمحصلة في النهاية لا ابن مطيع ولا أسرة متماسكة ولا احترام متبادل.
عبدالرحمن الوهيبي

