تدافعت الأخبار وتعالت أصوات المذيعين لتعطي الخبر اليقين فتنساب الكلمات معبرة عن هذا الانجاز العظيم، وعلت أصوات المنابر وشجعت الكثير من الادباء والمؤرخين والقصاصين على اقتحام الساحة،، وتحولت المنابر للقراءات والمناقشة ومر عليها الكثير من أصحاب الكلمة كالعرب والأجانب.
وتنافس المتنافسون وبلغ الصدى مداه وأعطت اللغة العربية للحضارة والثقافة ما لم تستطع جميع لغات العالم أن تنافس هذه اللغة التي كرمها الله بكتابه المقدس وهو القران الكريم، وبقيت لغتنا العربية خالدة.وجاء موعد الغربة حاملا لسانا هجينا منفصلا عن تراثه وحضارته، فتشكلت الأزمة التاريخية العامة للهوية والمواطنة والقيم والمقدسات والثوابت.فاللغة العربية عانت من الغربة حضاريا وثقافيا واجتماعيا ما لم يعانيه أحد، ومن نتائج غربة اللغة ظهرت غرابة ثقافية للذات العربية وأزمة في تفكير المواطن العربي وقدرته على العطاء الحضاري بشكل عام وطريقة التعامل مع الآخر في عالم متداخل من اللغات والأيديولوجيات والقيم.ومن هنا ليس من السهل الدفع باللغة العربية إلى ساحة مواجهة غير متكافئة مع لغات سيطرت على حلبة الصراع الثقافي والمعرفي والتكنولوجي.
مما يحتم على ذات اللغة العربية أن تعيد بناء قدرتها الذاتية للمواجهة والتحدي ومن خلال ذلك علها تحقق الاستقلال الذاتي المفقود وخصوصيتها الحضارية.. وأجرينا هذا التحقيق مع الكثير من الجمهور العربي حول هوية اللغة العربية. حالة من الانفصام اعتبر بكي بن عامر، معد برامج إعلامي، أن المجتمع العربي يعيش حالة من الانفصام الملحوظ مع اللغة في التواصل مع الأفراد وأيضا في السلوك والشؤون الإدارية والتعليمية وفي مجالات الصحة وغيرها من الشؤون.وأوضح أن هذا ما ولد حالات الانفصام وغربة الهوية وملامح الشخصية العربية ولن ننسى عندما دخلت اللغة الفرنسية إلى المغرب العربي مع الاستعمار، ومن خلالها تم إرساء وتنظيم مجموعات لإنشاء البنية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والثقافية، وبقيت خالدة حتى بعد الاستقلال سائدة وتحتل مكانة مهمة في المجال التعليمي وتدرس في المدارس الابتدائية.
وليس هذا فحسب بل أصبحت تستخدم في مجال الإعلام من صحف وبرامج تلفزيونية وإذاعية بالدرجة الأولى، وباتت اللغة الفرنسية تشهد انتشارا حتى في داخل البيوت والوسط الاجتماعي كلغة يتداولها العرب أكثر حتى أصبحت اللغة العربية تعتبر ليس لها أهمية.
فاللغة الفرنسية تعتبر من أهم اللغات في المغرب وتونس والجزائر بدونها يصعب المرء أن يشق طريقه في المجتمع تحت شعار الترقية الاجتماعية.
تبعات الغزو
ورأى الدكتور محمد داود، أستاذ الأدب، أن اللغة العربية واجهت منذ الغزو الاستعماري مصاعب جمة، وتمثل ذلك في محاولة المستعمر القضاء على الهوية الوطنية للشعب وذلك من خلال محاربتهم للغة العربية والقيم والمعتقدات الدينية محاولة منهم لتحويل التراث الثقافي لمجرد ممارسات فولكلورية يحتفي بها السائح والباحث عن المناظر الغريبة والغاية هي أيضا من إدماج فئات كبيرة من الشعب في الثقافة الفرنسية.
وأضاف أن تحقيق هذا المراد الخطير لتغيير هوية الشعب أقدم الاستعمار على غلق جميع المدارس التي تدرس اللغة العربية، وحولت المساجد إلى كنائس ولم يكتف بذلك بل شجع على الفكر الخرافي والبدع.
ولكن لم يكن بحسبان المستعمر على أن قدرة الشعب العربي على المقاومة والصمود والذود عن كرامته وهويته العربية وتمسكه بلغته الأصيلة أقوى مما يعتقدون، فكانت هناك نخبة وطنية قامت بمجهود جبار لأجل الحفاظ على اللغة من خلال فتح المدارس الحرة والكتاتيب لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم ومختلف العلوم على نفقتهم الخاصة.
وأشار محمد إلى أن محاولة المستعمر إلحاق الكثيرين من العرب في المدارس الفرنسية كي يتسنى لهم خلق فئة من المثقفين العرب يلعبون بعدها دور الوسيط، لكن باءت عملياتهم ومحاولاتهم تلك بالفشل وتصدى لهم هذه الفئة المتعلمة أكثر رغم الضغوط والإغراءات التي كلها باءت بالفشل إلا فئة قليلة تبنوا اللغة الفرنسية وتغربوا عن الوطن العربي وأبنائه.
وأضاف أن هناك تحديا جديدا دخل على اللغة العربية بعد عودة المغتربين إلى الوطن بعد اشتد عوده، فقوي تأثيره بعد الاستقلال من خلال التعليم الذي أصبح مترسخا في الأذهان خلال سنوات الاستعمار، فلذلك تواجه اللغة العربية من جديد تحديات من نوع آخر فرضت عليها من الداخل ولكن بوساطة أبناء البلد.
وتمسك هذه الفئة من الشعب باللغة الفرنسية ودفاعهم المستميت عنها والحكم المسبق على اللغة العربية، يدفع بهم إلى أحضان الفرانكوفونية وهي ظاهرة من مخلفات الاستعمار صعب محاربتها.
واعتبر د. محمد أن غربة اللغة في الخليج العربي انتشرت بشكل خطير في جميع المرافق الاجتماعية والإدارات والبنوك والجامعات والمستشفيات والأسواق، التي قوضت اللغة العربية وحولتها إلى لغة متحفية للتحول الديمغرافي باتجاه العنصر الأجنبي السيطرة على مؤسسات التعليم والتربية وغيرها من المؤسسات المؤثرة في المجتمع الخليجي.
وأضاف أن الانتشار الغير طبيعي لظاهرة الخدم والعمالة الآسيوية والأجنبية كان من أسبابه تغريب اللغة العربية حتى على مستوى الأسرة مما نتج عنها قيم أخلاقية جديدة وغريبة على المجتمع والمواطن وضعف الإنتاج الأدبي واللغوي الذي هو أساس تطوير اللغة كأداة وإبداع أصبح مقلقا.
وهذا مما يؤدي إلى صناعة جيل بعيد كل البعد عن تراثه اللغوي والروحي ومبادئه المستنبطة من ديننا الحنيف ومن ثم إلى موت اللغة العربية وزوالها فالقضية ليست باستخدام اللغة العربية فحسب، بقدر ما هي أزمة فكر وقدرته على الإنتاج وعليه فإن إنقاذ اللغة العربية هو بمثابة إنقاذ للفكر والتاريخ والمستقبل.
اللغة ليست قناة لتوصيل الفكر فحسب بل تكاد تكون جزءا من ماهية الفكر
اعتبر الدكتور محمد ذبيح، أستاذ النمذجة الرياضية في اللغة العربية، أن لغتنا العربية لن تزول، فهي حاملة للفكر والعلم والمنطق فهيمنة اللغة الأجنبية لا تقلق لأننا علينا الاعتراف أننا لم نستفد من اللغة الانجليزية لأنها تحولت إلى موضة العصر وأسلوب للمخاطبة فقط.
ونحن لم نجتهد في محمولات اللغة العربية من علوم ومنطق رياضيات فإنها لغة منتجة للفكر والعلم والمنطق والتاريخ يشهد على علمية اللغة العربية التي صنعت الحضارة وفي المجالات الحيوية اتصلت بنشاط الإنسان في الهندسة والطب والفيزياء وغيرها من العلوم التطبيقية.
وأشار إلى أن اللغة العربية يجب أن تقرأ ووضعها في المخابر وليس وضعها في المتاحف، لأنها اللغة التي تعيد المجد الحضاري والإنساني للتاريخ حتى ولو تركوها أهلها.
واضرب مثلا على الفكر التطبيقي عندما نقول »أسير والجبل« من هنا نستنتج فكرة ذات علاقة بالرياضيات والهندسة، الواو تعرف بواو المعية وهي أعمق من ذلك بكثير فهي تتجاوز مفهوم المحاذاة للجبل إلى مفهوم الموازاة فلماذا لا تدرس اللغة العربية من هذا المنطلق الرياضي المنتج للفكر التطبيقي؟
ورأى د. ذبيح أن اللغة ليست مجرد قناة لتوصيل الفكر فحسب بل هي تكاد ان تكون جزءا من ماهية الفكر، فلسان القوم هو الذي يحدد الشكل الذي يوصل للمعنى وهذا المنطلق النظري هو الذي أسس عليه الدكتور طه عبدالرحمن احد ابرز الفلاسفة والمفكرين في العالم العربي والإسلامي مشروعه النقدي حول اللغة والفلسفة والمنهج وأصول الحوار ومن أقواله:
أما ترى أهل المتفلسف العربي لا يصوغ من الألفاظ إلا ما صاغه غيره، ولا يستعمل من الجمل إلا ما استعمله، ولا يضع من النصوص إلا ما وضعه، يؤولون إذا أول غيرهم، ويحفرون إذا حفر غيرهم ويفككون إذا فكك غيرهم فقد انخدعوا بمقولتين.
الاستجابة للشمولية الفلسفية والانخراط في الحداثة العالمية، وما استجابوا وما انخرطوا وإنما أصيبوا بسوء التفلسف ولم يراعوا جمالية اللغة في الخطاب والتشكيل والكتابة.
ورأى أن هذا الوضع انطبق على نخبة عربية لم تربط مجالات اللغة بالفقه الإسلامي، ولذلك دراسة »ماهية ووظيفة اللغة« وجعلها لغة الاستدلال بالارتقاء بالمفاهيم الطبيعية إلى رتبة المفاهيم الصناعية.
وأكد أن ما يضمن اللغة العربية باقية قوية وفاعلة هو قدرة أبنائها على إنتاج المعرفة وتوليد العلوم، وبالتالي المجتمع كله مسؤول عن لغتنا العربية وبقائها وعدم زوالها.. فهل يمكن أن يتفق العرب على دستور يحمي اللغة العربية؟
عبدالرحمن الوهيبي


