حين تنجب المرأة يصبح أطفالها رصيدها في الحياة وقرة عينها في الدنيا، فتبدأ بنسج أحلامها مع كل سنة يكبر فيها طفلها عن مستقبله ونجاحه، ولا شيء يسعد الأهل أكثر من فرحتهم بنجاح أبنائهم حين يرونهم يشقون طريق الحياة الصحيح، لذا حين يسلك الأبناء طرقاً مشؤومة كطريق الإدمان والمخدرات والجريمة فإن وجع الأمهات يكون مضاعفاً، فأم المدمن تعاني بصمت وتموت كل يوم وهي ترى ابنها يفقد مقومات الحياة الصحيحة ويحطم مستقبله بيديه.

وليس من السهل على الأمهات أن يتحدثن عن تجاربهن المؤلمة مع الأبناء، لكنهن آثرن أن يروين قصصهن مع إخفاء هوياتهن لتكون تلك التجارب عظة للأمهات وللأبناء كي يعرفوا أي ضرر يسببه طريق المخدرات المرعب. التجربة الأولى التجربة الأولى لسيدة كبيرة في السن بدأت مشكلتها مع ابنها منذ سنوات عدة حيث تقول: أنا امرأة بسيطة لا أعرف عن أمور المخدرات شيئاً، لكن تغير حالة ابني الذي كان يبدو في غير وعيه وكأنه مريض أو سكران جعلني أشك في الأمر.حيث بدأ بالتغيب عن عمله وبالسهر طويلاً، وكذلك صار يطلب مني ومن أخوته المال بشكل مستمر.

فبدأت بنصحه ومحاولة إصلاحه، لكن الأمر لم يتحسن، إلى أن جاءني في أحد الأيام مقرراً الزواج حيث تعرف على فتاة جميلة ويرغب الزواج بها، وبالرغم من عدم اقتناعي بطريقة زواجه التي تمت سريعاً وبشكل مشبوه، حيث وافق أهل الفتاة وأتموا كل شيء بسرعة مع كل ما كان يبدو على ابني من حالة غير طبيعية، وتبين أن الفتاة حامل قبل زواجها.

وكانت تسرع أهلها للملمة الموضوع واثبات نسب الولد إلى ابني مستغلين أنه في غير وعيه في معظم الأحيان، وكان الموضوع صدمة كبيرة، فمبجرد أن أنجبت تلك المرأة طفلها طلبت الطلاق ما جعل ابني يشعر بتعرضه للخدعة فرفض اثبات نسب الولد إليه، وبدأت المنازعات القانونية، لكنه بدأ يشعر بتأثير المخدرات وكيف خربت حياته، وبدأ بالابتعاد عنها والعلاج منها.

وكنت أشعر بالأمل قد بدأ بالدخول إلى قلبي بعد أن يئست من ابني وشعرت أن طريق الضياع قد أخذه، وحاولت تزويجه مرة أخرى وبالفعل تزوج بفتاة ملتزمة ومتدينة بدأت بالأخذ بيده نحو الحياة الطبيعية من جديد، لكن مشكلة نسب الولد ما زالت قائمة ولا ندري كيف سيمكن حلها حيث يرفض أهل الفتاة التحليل الطبي لإثبات صحة النسب.

الحب ينكر الانحراف

وقد يكون الإنكار ورفض تصديق حالة الابن وفكرة تعاطيه المخدرات عاملاً في استمرار التعاطي والإدمان إلى ان يصل إلى حالة متقدمة فتقول أم المدمن سالم: لم أكن أتصور في حياتي أني سأكون أماً لولد مدمن، وحتى حين بدأت ألاحظ على ابني بعض التصرفات غير الطبيعية كنت أنكر تلك الحالة وأحاول تكذيبها.

وحين بدأ أحد أخوتي بتنبيهي إلى حالة ابني تخاصمت معه واتهمته أنه يحاول تشويه سمعة ابني مع أني بدأت بملاحظة نقص في المبالغ التي أضعها في حقيبتي وبفقدان بعض قطع الذهب الصغيرة، لكني لم أرغب بتصديق أن ولدي يعيش حالة غير طبيعية أو أنه يتعاطى المخدرات،.

وكنت أبرر تصرفاته بسبب الضغط النفسي عليه كوني مطلقة وهو يعيش معي بعيداً عن والده، إلى أن جاء الوقت الذي صرت فيه بمواجهة الحقيقة حين تم القبض على ابني بتهمة تعاطي وحيازة المخدرات، فكانت صدمتي كبيرة تم نقلي إلى المستشفى على أثرها، وحين تعافيت قليلاً عرفت أنه تم تحويله إلى مركز لمعالجة الإدمان فاستبشرت خيراً، لكنه عاد إلى التعاطي بعد خروجه من المركز وبدا أكثر شراسة معي ومع إخوته.

وبدأت أقلق عليه إذا ما استغرق طويلاً في النوم خوفاً من أن يكون قد تعاطى شيئاً تسبب في قتله، وصرت لا أستطيع النوم من الخوف والقلق، وبدأت أخاف على إخوته منه فقرر إخوتي بناء غرفة له خارج البيت ليكون بعيداً عنا.

لكن ذلك لم يكن حلاً، وحاولت أن أقنعه بالعلاج لكنه صار يصرخ بوجهي ويشتمني إلى أن تم القبض عليه مرة أخرى، حيث حكم بالسجن ست سنوات قضى منها سنتين، وأتمنى أن يكون قد تعلم درساً وعاد إلى رشده، فالولد الذي تعبت في تربيته ضيع مستقبله بينما يلقي والده باللوم الكامل علي وكأني أنا التي علمته تعاطي المخدرات.

أصدقاء السوء

ومستقبل الشاب يمكن أن يضيع بسهولة بمجرد اقترابه من عالم المخدرات فكم من صديق سوء كان السبب في جر أصدقائه نحو الهاوية، وقصة »ز. ن« وهي أم متعلمة تمتلك وعياً عالياً في تربية أبنائها يمكن أن تكون جرس إنذار للشباب في الحذر من أصدقاء السوء في محيطهم إذ قد تكون العداوات والغيرة بين الشباب سبباً في التورط في المشكلات، حيث تروي تلك السيدة قصتها قائلة: نحن أسرة متعلمة وكان ولدي البكر متفوقاً في الدراسة، حيث حصل على منحة دراسية في الجامعة.

وقد قررنا أن نفتح له أبواب المعرفة ونترك له حرية اتخاذ القرارات واختيار الأصدقاء، وكان معتداً بنفسه لدرجة تثير حفيظة بعض زملائه، وكنا نفخر به أمام الجميع، وقد صادف أن مرض والده مرضاً شديداً فسافرت معه خارج البلد للعلاج وحين عدت لم أجد ابني بانتظارنا وقد عرفت أن الشرطة قبضت عليه في قضية مخدرات وقد فتشوا البيت ووصلت القضية إلى المحكمة، فنزل الخبر كالصاعقة علي وعلى أبيه الذي لا يستطيع التحرك وهو على فراش المرض.

وكان لا بد من أن أتابع قضية ابني وأحيط موضوعه بالتكتم الشديد لعلي أنقذ مستقبله فلا يمكن أن تكون لهذا الولد المتميز علاقة بالمخدرات، فكنت أقضي كل وقت الصباح بين المحاكم والمحامين بينما استقبل زيارات الناس من الأهل والأصدقاء الذي يأتون للتهنئة بسلامة زوجي في محاولة ألا يظهر علينا أي شيء وكنت أدعي أمام الناس أن ابني ذهب في رحلة دراسية مع الجامعة.

وهكذا استمرت الحال حتى عرفت أن سبب المشكلة هو أحد زملاء ابني الذي كان يحمل ضغينة له بسب منافسة شبابية، فدفع شاباً آخر للتقرب منه وتقديم سيجارة حشيشة له وحين رفضها تركها بين كتبه، وقد نسيها ابني ولم يعرف أنها بقيت بين كتبه.

وفي اليوم الثاني جاءه اتصال من الشرطة يطلب حضوره فذهب بشكل طبيعي لأنه لم يفعل شيئاً، فتبين أن هناك بلاغاً عنه بتعاطي وحيازة المخدرات، وعند التفتيش وجدت قطعة من تلك السيجارة بقيت عالقة بين كتبه، فحول إلى المحكمة وتم الحكم عليه بالسجن ستة أشهر مع الإبعاد، وكانت تلك مصيبة كبرى لنا فقد ضاع مستقبل الفتى لكننا حاولنا استئناف الحكم واثبات براءة ابني فرفع عنه الإبعاد وعاد إلى الجامعة لكن تلك التجربة كانت درساً مهماً له أبعده عن الغرور وعن مصاحبة أصدقاء السوء أو الاستهتار بالأمور دون التفكير في عواقبها.

دلال جويد