نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» قبل مدة مقالاً لأحد الكتاب يقترح فيه فرض غرامة قدرها 3000 دولار لبعض الجنسيات التي تقوم ببصق مادتي البان والنسوار في شوارع المدينة. فقد انزعج العديد من سكان المدينة من منظر الطرقات الملونة باللون الأحمر، واشمأزوا من ظاهرة البصق التي بالإضافة إلى أنها غير حضارية، فإنها تنقل العديد من الأمراض الصدرية الخطيرة التي تعاني منها الدول المتأخرة صحياً.
وبالمثل فإن بعض المناطق في دولتنا مازالت تعاني من هذه الظاهرة رغم انحسارها بعد حملة تم تطبيقها للتقليل منها، إلا أن الظاهرة وإن انحسرت لا تزال مستمرة رغم الجهود المبذولة في القضاء عليها والحد منها. فالسكان الذين تجاوز عددهم اليوم 6 ملايين نسمة، نصفهم تقريباً من الجاليات التي تعودت على البصق في الطرقات، فإنهم يشكلون ضغطاً كبيراً على الجهات التي تسلمت هذه المهمة.
فقد كانت السيطرة في السابق على ظواهر كالبصق أمراً أسهل بكثير عندما كان عدد السكان أقل، إلا أنه ومع اكتظاظ المدن بالسكان أصبح هذا الأمر صعباً، خاصة وأن الغرامات المفروضة على التجاوزات من هذا النوع لم تتغير منذ سنوات، بينما ارتفع مستوى المعيشة بشكل عام.
فإذا كان سكان نيويورك يطالبون اليوم بفرض غرامة قدرها 3000 دولار للبصق في الشوارع العامة، فإن غرامة الخمسمئة درهم في دولتنا للتجاوز ذاته تعد مبلغاً زهيداً جداً للقضاء على هذه الظاهرة، خاصة وأن البصق في الأماكن العامة يكلف الدولة الكثير اقتصادياً وهي تسعى إلى تجميل شوارع المدن وعمل صيانة عامة لها.
أما حسب مقولة «ما خفي كان أعظم» فهي المخاطر الصحية التي ينقلها البصق والأمراض الخطيرة التي ينشرها. فالبصق في ظاهره عادة غير حضارية، إلا أنه يخفي في طياته الكثير من الأمراض الصدرية التي تنقل عن طريق جفاف البصق ثم طيرانه مع الأتربة والغبار بفعل تيارات الهواء إلى أشخاص سليمين.
فالبصق ينقل مرض الدرن وهو مرض صدري يسعل فيه المريض سعالاً شديداً مصحوباً بالدم، كما ينقل العديد من الأمراض الأخرى الأقل خطورة كالزكام والإنفلونزا. فقد أشارت الأبحاث إلى أن أكثر من نصف حالات الزكام سببها البصق في الشوارع، ناهيك عن الأمراض الأخرى التي يكون سبباً فيها خاصة إذا كان البصق مصحوباً بالدم.
لقد أمدنا الطب الوقائي في الإسلام إلى الكثير من الإرشادات التي تضمن الحفاظ على سلامة الفرد والمجتمع، كما أن للبصق كفارة يجب أداؤها على من يمارسها، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في النهي عن البصق: «البصق على الأرض خطيئة، وكفارتها ردمها»، كما أن ممارسة هذه العادة انتهاك لحرمة الطريق الذي يستخدمه المجتمع، وتجاوز بحق البيئة التي نتشاركها جميعاً.
لذا نقترح فرض غرامات أكبر من المفروضة في الوقت الراهن، بالإضافة إلى توعية الجاليات التي تعودت على هذه العادة بأخطارها ومضارها، فالوقاية لاتزال هي الأسلوب الأمثل للنأي عن الأمراض التي تصيب الإنسان بالرغم من التقدم المذهل لطرق العلاج في الطب.