لا يمكن لمن ينجرف إلى عالم المخدرات القاتم أن يصل إلى نهايات سعيدة، فالموت يتربص به من كل جانب وإذا ما حالفه الحظ فإن قضبان السجن ستكون أرحم من نهايات مؤسفة انحدر إليها مدمنون لم يجدوا اليد التي تنتشلهم من الموت وتعيدهم إلى الحياة.

«البيان» تفتح ملف المخدرات ليكون المجتمع كله يدا واحدة لإنقاذ الشباب الذين يمكن أن يدخلوا أبواب الإدمان ويسلكوا طريق الموت الذي يبدأ بلعبة تحد صغيرة أو بفضول يثيره أصدقاء السوء، فهذه رسالة توعية لحياة سليمة خالية من المخدرات وفي أولى حلقات هذا الملف نسلط الضوء على عدد من نزلاء المؤسسات العقابية الذين وضعتهم المخدرات خلف قضبان السجن، وهم يروون تجاربهم مع المخدرات ليكونوا عبرة لغيرهم ودرسا في الحذر والابتعاد عن تلك السموم التي تقضي على مستقبل متعاطيها وربما على حياته أيضا.

عبأ مخازنه بالمواد المخدرة وادعى جهله بأنها ممنوعة : ومن المؤكد أن متعاطي ومروجي المخدرات لا يروون الحقيقة دائما فمن السهل الادعاء بأنهم مظلومون أو تم التغرير بهم، لذا فليس كل ما يذكر على ألسنتهم يكون صحيحا، وهذه قصة أخرى لرجل حكم عليه بالسجن عشرين عاما هو زياد أحمد محمد وهو عربي تجاوز الخمسين من عمره يعاني من متاعب في القلب وقد أجريت له عملية قلب أثناء مدة حكمه التي لا تزال في بدايتها وهو يروي قصته بطريقة مؤثرة يمكن أن يصدقها الناس بسهولة حيث يقول: أنا رجل أعمال وشهادتي بكالوريوس اقتصاد من إيطاليا، حكم علي بالسجن 20 عاما بتهمة حيازة المخدرات، قضيت منها حتى الآن أربع سنوات في السجن.

وخطأي أني سمحت لبعض الأصدقاء الذين عرفتهم عن طريق التجارة أن يستخدموا مخازن شركتي لتخزين بعض المواد وكانت تلك المواد مخدرة ممنوعة فتم القبض عليهم وتحملت المسؤولية معهم كوني سمحت بتخزين تلك المواد عندي.

وفي الحقيقة كنت أعرف أنها مواد مخدرة لكني لم أكن أعرف أنها ممنوعة قانونيا، فهي مادة تدعى ميثاجالون تدخل في تصنيع المخدرات، وقد اعترف أصحاب تلك المادة بجريمتهم وكانوا من أصحاب السوابق وذكروا أني لا علاقة لي بالأمر لكن الحيازة جريمة في نظر القانون سواء أكنت أعلم أم لا، وطبعا كانت الصدمة كبيرة جدا .

فقد كنت أعيش مع أسرتي هنا التي تم تسفيرها بعد مصادرة جميع أموالي، وصار الناس يعتقدون أن ثروتي من المخدرات وهي تجربة قاسية ومفيدة في الوقت نفسه لكنها جاءت متأخرة، أنا لست شابا لاستطيع تحمل عقوبة السجن وعائلتي صارت تزورني سنويا بفضل تعاون إدارة السجن، فهم يتعاملون معنا بطريقة إصلاحية تقدر فيها ظروفنا ومشاكلنا.

وهذه القصة التي رواها زياد أحمد لا تمثل الحقيقة كاملة فالرجل كان مشاركا في جريمة كبرى هي تصنيع المخدرات وليس ترويجها فقط، لذا كان يجب التنويه إلى أن صفة المظلوم طريقة يتبناها معظم المتهمين والسجناء ليتملصوا من العقاب أو لكسب تعاطف المحيط والمجتمع.

انتهى الحكم ولم يفرج عن المتهم

وتبدو حكاية أحمد علي البلوشي أكثر غرابة فالمتهم أنهى عقوبته منذ سنة وثمانية أشهر ولم يستطع الخروج من السجن كونه من عديمي الجنسية ومحكوم عليه بالإبعاد لذا لم تكن هناك وجهة يمكن تسفيره إليها فبقي في السجن حتى يتم حل قضيته.

وهو يروي قصته مع المخدرات قائلا: بدأت علاقتي مع المخدرات عندما كنت في العشرين من عمري وكنت عاطلا عن العمل ولي مجموعة من الأصدقاء يتعاطون المخدرات، فدفعني الفضول إلى مشاركتهم التعاطي فدخلت إلى هذا العالم وصرت أتعاطى الحبوب والحشيش والهيروين، وأصبحت مدمنا.

وأنا متزوج ولي أربعة أطفال، وكنت سابقا أعمل في القوات المسلحة لكن الإدمان جعلني أهمل أسرتي وفي الأيام الأخيرة قبل القبض علي شعرت أني يجب أن أخضع للعلاج، وحاولت تركها لكني كنت أعود إلى التعاطي بين وقت وآخر، وقد عرف أهلي الموضوع قبل الإمساك بي بسنة.

وفي بداية عام 2000، تم القبض علي بتهمة الحيازة لكن حيازتي للمخدرات كانت للتعاطي ومع ذلك حكم علي بالسجن، وبقيت أربع سنوات لم أر والدي إلى أن توفي فحضرت جنازته وكانت نظرتي الأخيرة له وهو ميت، والآن ابنتي تعمل من أجل إعالة أخوتها وبيتنا هو الذي ورثناه عن المرحوم والدي.

وولدي الصغير لا يناديني (بابا) لأنه لا يعرفني، لقد دمرت المخدرات حياتي فقد كنت بطلا لألعاب القوى حيث عملت 17 عاما في القوات المسلحة والآن أقبع خلف القضبان ولا أعرف متى أخرج، فمدة حكمي انتهت ولا يوجد حل لمشكلتي، وأفكر بالانتحار لكني أتراجع خوفا من الله سبحانه وتعالى.

مدمن منذ أن كان في الثالثة عشرة

ودخول عالم المخدرات يكون أكثر خطورة على المراهق فهو أقل مناعة وأكثر عرضة لاغراءاتها حيث يروي علي سلطان جمعة لوتاه تجربته الطويلة جدا مع المخدرات فالرجل الذي يبلغ من العمر واحد وأربعين عاماً دخل عالم المخدرات وهو في سن الثالثة عشرة، حيث يروي قصته قائلا: تعرفت إلى المخدرات في إحدى سفراتي إلى الهند مع الأهل .

ولم أكن أتجاوز الثالثة عشرة من عمري، وبدأت مع الحشيش ثم الهيروين وبعدها اختلط الحابل بالنابل فجرب مختلف أنواع المخدرات وأصبحت حياتي تدور في هذا العالم، وها قد بلغت هذا العمر ولم أتزوج فأنا لا أريد أن أظلم أية امرأة معي فيكفي ما تحملته والدتي بسببي، وقد ابتعدت عن المجتمع والحياة والعمل وبنيت لي سكنا خاصا لكي لا يتم ترويع أهلي حين يتم القبض علي .

فأنا مدمن وتم القبض علي أكثر من ست مرات، لكن مكاني ليس السجن وإنما المصح الذي يعالج من الإدمان، فأنا راغب بالإقلاع عن المخدرات، لكن سجني وخروجي بعد مدة لا ينفع، لأني لم أتعالج وهذا يعني عودتي إلى المخدرات لذا أتساءل ألا يمكن دراسة حالة المدمن وإرساله إلى المصح للعلاج ليكون بالإمكان إنقاذه من هذا العالم.

ونحن نعرف أن المجتمع لا يساعد المدمن ويتعامل معه بقسوة، وأنا أعرف أني أسأت لعائلتي وآذيتهم وخاصة أمي التي يئست من حالتي ولم تعد تصدق أني يمكن أن أترك المخدرات، بينما أتمنى أن أخرج من السجن لابتعد عن المخدرات بل اني الآن صرت أفكر بالزواج لعل الإحساس بالمسؤولية.

تعاطى الحشيش ليثبت شجاعته فتحول إلى مدمن ومروج

النموذج الأول لشاب بدأ بتعاطي المخدرات بسبب أصدقاء السوء إلى أن وصل في نهاية المطاف أن يقضي كل حياته في السجن، حيث يقول نادر أحمد محمد علي المهيري (أنا محكوم بالسجن المؤبد بتهمة ترويج المخدرات وقد أمضيت أربع سنوات وستة أشهور من حكمي، ولكني لست تاجرا وإنما كنت أتعاطى المخدرات وقد كانت لي سابقة في الدخول إلى السجن.

وقد اشتريت غراما واحدا من المخدرات تعاطيت نصفه وطلب مني أحد أصدقائي إحضار بعض المخدرات له، فلعب الشيطان برأسي وقررت بيع ما تبقى له، ويبدو أن هذا الصديق كان مرصودا من أفراد المكافحة، وأنا أقول اني ظلمت في هذا الأمر، فأنا إنسان عاطل عن العمل وكنت أرغب بالحصول على القليل من المال ولا يعني هذا أني أصبحت تاجر مخدرات.

وكنت أحاول الابتعاد لكن أصدقاء السوء هم الذين أثروا علي وأدخلوني هذا الطريق، وكانت أول تجربة لي مع المخدرات عندما كنت في السابعة عشرة وقد أحضر أحد زملائي في المدرسة حشيشة وطلب مني أن أدخن معه وشاركته لأثبت شجاعتي.

بينما كان يتملكني الشعور بالخوف والذنب، لكني رغبت بالعودة إلى تلك التجربة فتعرفت إلى أصدقاء آخرين وصرنا نتعاطى الحشيش وصديقي الذي أدخلني إلى هذا العالم مات بسبب المخدرات، وأنا لست مدمنا لأن المدمنين يتعاطون الهيروين لكني أتعاطى الحشيش فقط!.

ويسترسل نادر بسرد حكايته قائلا: حين تم القبض علي كنت طالبا وهناك عفو للطلاب، لكن أبي تبرأ مني ولم يسمح لأحد من أفراد عائلتي بمساعدتي، لذا لم أحصل على الأوراق التي تثبت أنني طالب إلا متأخرا وما زلت أنتظر الحكم الجديد منذ أربعة شهور.

ولا أنكر أن السجن جعلني أرى الحقيقة أمامي لذا بدأت بالتخطيط لحياتي فحين أخرج من السجن سأبحث عن عمل سأبتعد عن جميع أصدقائي القدامى وسوف أتزوج واستقر، وساستمتع بحياة الحرية فاليوم الواحد في السجن يعادل سنة.

ولو قال لي اللواء اخرج من السجن وكن راعي غنم فسوف أكون سعيدا لأني حينها سأكون حرا، وأنا أعرف أن المجتمع في الخارج لا ينظر إلينا نظرة جيدة لكن الإنسان يحاول إصلاح نفسه وقد حصلنا على محاضرات توعوية في السجن عن المخدرات ومخاطرها وأنا أحمد الله أني عرفت خطأي وعرفت الخطأ من الصواب.

ضعف : سيجارة أدخلته إلى عالم المخدرات

أحمد محمد العاشق متهم بتجارة المخدرات بينما يصر على أنه ليس تاجرا، وهو يروي قصته قائلا: تعرفت إلى عالم المخدرات عام 1988 عندما كان عمري تسعة عشر عاما، وكنت أسمع عن المخدرات ولا أعرف عنها شيئا.

وفي جلسة مع الأصدقاء أعطوني سيجارة وقالوا دخنها وستضحك كثيرا ودخنتها ولا أدري بعدها ما حصل، وعدت في اليوم الثاني إلى الشباب لأطلب منهم سيجارة ثانية وهكذا دخلت عالم المخدرات بتعاطي الحشيشة ثم بعد أربع سنوات بدأت بتعاطي الهيروين التي كنت أحصل عليها من أصدقائي ومنهم من توفي بسبب المخدرات.

وفي عام 1993 تم القبض علي في دبي وبقيت في السجن سنة ونصف السنة خرجت بعدها، وكان لي صديق من البحرين تم القبض عليه في قضية مخدرات وقد ضغطوا عليه لمعرفة أصدقائه فاتصل بي وقال انه في ضائقة وبحاجة للمساعدة فحصلت على بعض المخدرات وأعطيتها له ليدبر أموره وتم القبض علي بتهمة تجارة المخدرات بينما لم أقبض ثمنا لها ولم أقصد سوى المساعدة!هكذا ضاعت ست سنوات من عمري واكتشفت أن معظم أصدقائي أصدقاء مصلحة.

دلال جويد