سلام يغشاكم بالرحمة والتبريكات.. سلام يُبعثر أيام البعد الأول والأخير من لغة التواصل، فيما يفرض للروح مسكنها بصومعة التخاذل. لم أدرك حالة الفوضى حين سرقني الوقت يوما عنكم، كنتُ أغادر إلى نفسي حيث العقل وما يسجل أحداثه وفق طقوس مسيرة.

لامستُ سرعة الأيام بفضفضتها حيث مناسكها بيننا، مما رسم على الأرض الجدباء ملامح باهتة، توغلت بألم، فتركت الحبر جافا تُغربله فراغات الأحلام والحنين إلى الماضي. ولشهر البركات نكهته، والتي كانت بمجرى الدم، تسري لتنتشل منا صراعات وفوضى لحواس الفقد، شهر له طهر الروح حين تتصومع بداخلها إنسانية الصدق، وإيمانها مما يصاحبها ذاك السمو الروحاني والعلو إلى قمة العزم والإصرار حيث تحديها لكل شي من الذنوب.

ها هو قد رحل وترك لنا أحداثا تشربتها أرواحنا وعقولنا ومفردات لغتنا وآثرت فينا أن نكون خاضعين لله، وأعمق ما يكون للنفس أن تعطي للمزيد وأكثر. حين يسرقني الوقت أتصفح حروفا وكلمات، وأتلو من المصحف آيات تخُر بها الروح خاشعة جزعة من عذابات يوم قريب.

حين يسرقني الوقت.. أتذكر قلما وأوراقا ومواضيع رسمت مع الأمل أضواء تُنير للعقل والقلب معا طريقا مستقيما ليدرك الإنسان أن لذلك الشهر روحانياته المبّهرة بنكهة الطهر ونقاء التواصل الديني، وشيوع الحب العميق بين المجتمع الأسري والإسلامي.

رحلتَ أيها الكريم وها هي الجيوب الإنسانية لم تُملأ بعد من أحاديث الذكر والتقوى والمعرفة، ولم يتعظ الفرد منا بعد، في حين لو يعلم أن رحيله قريب جداً، وليته يدرك ما سيؤول على الروح من مثوى. رحلتَ أيها الشهر العظيم، لتعود فوضى الغيبة والنميمة وتجليات الحقد الخفي، وتضمر الإنسانية تراكمات أخفتها بثلاثين يوما، وستعود عند البعض ومن جديد.

فكثيرا منهم لم يتعظوا، ولم يوقنوا. كم أنتَ إلهي عظيم بمغفرتك وتوبتك للكائن الإنساني. فما عاد الحديثُ ذا فائدة لبعض النفوس المسكونة بوشوشة الشيطان، فمن تاب وعفا سيلقى من الغفران، وعند الله اتساع الضوء وتجلياته العميقة، ومن لثم النفس عنها فإن الله رحيم غفار لكل من أراد العجلة والمسارعة للتوبة النصوحة.

هكذا مضت الأيام وأنتَ يا كريم قد أصلحت عقولا وأقمت أرواحا، وبنيت أجساد، وتركتَ لنا طريقا له طهر التائبين، فطوبى لمن سلك مسلك الصالحين، وطوبى لمن ترك في نفسه الوصول إلى ثوابه العظيم.

كل عام والكل بخير.

موزة عوض ـ العين