يُعد برنامج محمد بن راشد لإعداد القادة مشروعاً رائداً في مجال تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية على القيادة في مختلف المجالات، وتأتي أهدافه ترجمةً لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بضرورة إعداد جيل من القيادات الشابة يسهم في نهضة المجتمع ويقود مسيرة التنمية في الدولة.

ويعتبر حدث «دبي الفاتحة» والذي تناول إدارة المدن العالمية من خلال زيارات ميدانية شارك فيها عدد من القيادات الشابة حلقة في سلسلة البرامج التي يقدمها البرنامج والتي أسهمت من خلال نتائجها بالخروج بتوصيات من شأنها إلقاء الضوء على مبادرات هامة تسهم بقوة في التنمية المستدامة في دبي وكشف خمسة من المشاركين في «دبي الفاتحة» وهم الدكتور محمد الرضا زميل بكلية هارفارد الطبية ببوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، والشيخ مكتوم بن بطي آل مكتوم المدير التنفيذي للرعاية الاجتماعية بهيئة تنمية المجتمع وشذى بني هاشم مساعد مدير المشاريع بمكتب الرئيس التنفيذي بالمكتب التنفيذي بدبي.

وندى الشماع مستشار رئيسي بدبي للعقارات وشيخة المطوع بعد انتهاء زيارتهم إلى مدينة سياتل في الولايات المتحدة الأميركية وفاونتن بلو في فرنسا من خلال عرض تقديمي عن نموذج يرتكز على نتائج أساسية من شأنها وضع دبي على خارطة المدن العالمية ويضم النموذج مرتكزات عدة أهمها الإدارة المعرفية والتي تشمل ضرورة استقطاب الكفاءات والمواهب، وبناء الطاقات، وإنشاء مراكز للأبحاث والتطوير، إلى جانب استقطاب رؤوس الأموال، وتحقيق التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، واتباع قاعدة اقتصاد المجموعات، بالإضافة إلى إنشاء مراكز للإبداع، في ظل الحرص على مبدأ التنمية المستدامة مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية إدارة المخاطر.

نموذج عالمي

وفصل المشاركون في شرح النموذج المقترح، ومن جانبه أكد الدكتور محمد الرضا أن استقطاب المواهب والكفاءات يجب أن يكون من خلال رفع القدرة على اجتذاب القوى العاملة والحفاظ على الموظفين الموهوبين، وكذلك القدرة على الاستثمار في المواهب المحلية عالية الجودة من خلال نظام التعليم وغيرها من الممارسات الداعمة.

كما اقترح المشاركون من خلال خطة العمل اختبار النظم التعليمية المحلية ومقارنتها بالمعايير الدولية بهدف تقييم نظام التعليم الحالي للمراحل الدراسية الأساسية وحتى العليا منها، بالإضافة إلى تحديد استراتيجيات لجذب واحتضان الجامعات ومراكز البحوث.

وأكد الرضا أن استقطاب رؤوس الأموال المتخصصة يتم من خلال خطوات عدة، أهمها التسويق بهدف الاستثمار، واعتبر الرضا أنه يتحتم في هذه الجزئية النظر إلى الكفاءات دون الجنس أو الدين، واستقطاب المواهب والمبادرات الجديدة.

لافتاً إلى تجربة مايكروسوفت التي تعتمد بنسبة كبيرة على كوادر غير أميركية كانت جزءاً مهماً في قصة نجاح واستمرارية الشركة، وذلك لما توفره لموظفيها من بيئة داعمة ومتكاملة، تضم مراكز للبحوث الدراسات، ومرافق حيوية جاذبة لهم ولعائلاتهم.

ولفتت ندى الشماع أن الشركات الكبيرة مثل بوينغ ومايكروسوفت والتي تتخذ من سياتل مقراً لها تحرص على استقطاب الكفاءات من خلال سن قوانين وممارسات مطبقة عالمياً تشمل نظام ساعات العمل المرنة بهدف تحقيق مستوى إنتاجية أعلى، وتوفير مراكز رياضية للموظفين وحضانات ملحقة بأماكن العمل، مع إمكانية إنجاز العمل من المنزل، إلى جانب استمرارية التطوير الوظيفي وتنمية المهارات.

الطاقات والشراكة

واعتبر الشيخ مكتوم بن بطي آل مكتوم أن بناء الطاقات يعد محوراً أساسياً وحاجة ملحة للتأسيس لنظام تعليمي يمتد من المراحل الدراسية الأساسية وحتى العليا وأكد أن ذلك يتم من خلال التركيز على بناء الطاقات البشرية عن طريق ربط النظام التعليمي بمتطلبات سوق العمل، وتزويد الجامعات بوسائل بحث مبتكرة، مستعيناً بمرافق البحث المبتكرة في جامعة واشنطن وسياتل، بالإضافة إلى مركز التقنية الحيوية وعلم الحياة للأبحاث.

وعلى صعيد متصل أكدت ندى الشماع أن الشراكة بين القطاعين الخاص والحكومي والتي تعد من مرتكزات النموذج من شأنها دفع عجلة التنمية إلى الأمام، وذلك من خلال مشروع تعاوني بين القطاعين العام والخاص بناء على خبرة كل شريك بحيث يوظف الطرفان خبراتهما على أفضل وجه وفق احتياجات محددة من خلال التوزيع المناسب للموارد، وتحديد الموارد والمخاطر.

وأكدت على ضرورة مساهمة القطاع الخاص وتكامل الأدوار بينه وبين الحكومي في دعم قطاع الأبحاث والتطوير، وجود مبادرات خاصة. ومن جانبها أشارت شذى بني هاشم إلى أن التعاون بين القطاعين من شأنه المساهمة في استقرار الأسرة.

من خلال سن قوانين جاذبة، تساعد على استقطاب الكفاءات والمواهب وتسهيل إقامتهم في دبي. وتناول العرض ذكر بعض المشروعات التي تحققت من خلال الشراكة الناجحة بين القطاعين، مثل نظام المواصلات الصديقة للمناخ، ومرآب السيارات العامة، وحديقة النحت الأولمبية.

قاعدة اقتصاد المجموعات

وينص النموذج على ضرورة اتباع قاعدة اقتصاد المجموعات، وأوضحت بني هاشم أن القاعدة تشمل مجموعات من الأعمال التجارية داخل منطقة محددة هي مورد للطاقة مع غيرها من الصناعات ذات الصلة ومنافسة دولياً.

وذلك من شأنه رفع كفاءة وإنتاجية الشركات في ذلك القطاع أكان صحياً أو تعليمياً أو غيره، كما يجب أن تكون البيئة مؤهلة لتطوير الخبرة الفنية المتخصصة، والاحتياجات من الموارد والعمالة والتقنيات بهدف التنمية المستدامة.

وأضافت ندى الشماع أن قاعدة اقتصاد المجموعات تشمل صناعات متخصصة في المجال ذاته، يتم من خلالها تبادل الخبرات والتنسيق والتعاون، وسن قوانين وتشريعات لاستقطاب استثمارات خارجية تلعب دوراً أساسياً في التنمية، في ظل وجود جهة مستقلة محايدة تتولى التنسيق بين مختلف القطاعات.

وأكد الشيخ مكتوم آل مكتوم أن ذلك يتحقق من خلال عوامل عدة، أهمها جذب كبار رجال الأعمال وفهم مصالحهم باستمرار وبشكل استباقي لتحديد الشروط للحفاظ على وجودهم على نطاق أوسع، مع ضرورة توفر المساحة المخصصة.

مراكز الأبحاث والتطوير

وأجمع المشاركون أن محور الأبحاث والتطوير يُعد مفصلاً أساسياً في نموذج المدن العالمية، وذكر الشيخ مكتوم أن البحث والتطوير يشملان الاطلاع على العمل الإبداعي على أساس منهجي لزيادة المخزون من المعرفة بما في ذلك المعرفة الإنسانية والثقافية والمجتمعية.

واستخدام هذا المخزون المعرفي لابتكار تطبيقات جديدة، ولعل أبرز الأمثلة التي تم الاطلاع عليها خلال الزيارات الميدانية معهد أبحاث الطب الحيوي في سياتل، وصندوق اكتشاف علوم الحياة، وأضاف أنه من عوامل النجاح الرئيسية لمراكز الأبحاث توفير حياة مرفهة، والتزود بفهم أكبر للتطورات المستقبلية.

المدن العالمية.. والهوية الوطنية

أكد عادل الشارد مدير برنامج محمد بن راشد لإعداد القادة أن الحفاظ على الهوية الوطنية يصب بطريقة مباشرة في مصلحة الاقتصاد الوطني، واعتبر أن تميز دبي في ممارسة الأعمال وسرعة الإنجاز هي ميزة هي الهوية ومؤشر مهم في الاقتصاد، مستعيناً بفكرة «البونص» أو الأرباح التي توزعها الشركات والمؤسسات بصورة سنوية هي في الأصل فكرة إسلامية عربية.

تهدف إلى رفع القوى الشرائية في السوق حفاظاً على اقتصاد المجموعة، وحماية للمركز الاقتصادي، وشدد على أن الهوية خصوصية تعزز المكانة الاقتصادية، فالوطنية قبل أن تكون مشاعر هي ركيزة اقتصادية في تاريخ الشعوب والدول.

وفي ختام اللقاء الذي تناول عرضاً تفصيلياً لخبرات القيادات الشابة والتوصيات والمقترحات التي كانت ثمرة رحلة مليئة بالمشاهدات، أكد المشاركون أن انفتاح دبي ووضعها على خارطة المدن العالمية لا يحول دون الحفاظ على الهوية الوطنية، التي اعتبروها ركيزةً أساسية في جذب مختلف الأفراد والمؤسسات إلى دبي، بهدف العيش أو الاستثمار أو المساهمة في التنمية المستدامة لأن الثقافة النابعة من الهوية تُعزز مكانة المدن عالمياً.

تفعيل : التنمية المستدامة وإدارة المخاطر

شدد المشاركون على ضرورة أن يشمل تفعيل النموذج المقترح تحقيق التنمية المستدامة، وهي تنمية الدخل الاقتصادي عن طريق الحفاظ على زيادة المخزون من رأس المال والحفاظ على متانة واستقرار النظم البيولوجية والثقافية والاجتماعية للنظام والذي يُعد ضماناً للتنمية المستدامة للنتائج.

كما أكدوا على أهمية الإدارة المعرفية، والتي تشمل وعياً شاملاً للمجموعات والمشاريع بحيث تقوم بجمع وتنظيم وتحليل المشاركة المعرفية بالوثائق والطاقات البشرية في مصدر مشترك بين مختلف الشركات والمنظمات، ولفت المشاركون في نهاية جلسة فصلت في شرح النموذج إلى أهمية تحقيق ذلك في ظل وجود إدارة للمخاطر.

وهي آلية تكفل العمل على استمرارية المنظمة أو الشركة من خلال منهجية استجابة للأحداث غير المتوقعة والتي من شأنها تهديد الأفراد والممتلكات، ولعل أسباب نجاحها الرئيسية تكمن في الرد السريع والفعال لأي أزمة تحدث، بالإضافة إلى التخطيط الوقائي، في ظل وجود نظام إدارة للمعلومات، بالتزامن مع توفر التعاون والتخطيط المسبق بين المستجيبين.

أمل الفلاسي