كم من الناس نراهم يقودون سياراتهم وهم غاضبون، وربما نرى واحدهم وهو يضرب بيديه على مقود سيارته، متأففا ومتأوها ويردد... أوووه زحمة.. زحمة. أو قد تراه يمشي في الطريق، ولا يحتمل كلمه من أحد، بل إنه متضايق أشد الضيق ويردد.. أوووف حر شديد!!
وربما كنت زميلاً له في قسم واحد تبتلى برؤيته كل يوم، ويشغلك كلما جلس وهو يردد.. يا أخي «العمل كثييير.. أوووه إلى متى ما يزيدون رواتبنا» ويدخل عابساً، ويخرج ساخطاً، وربما أكثر الشكوى من آلام بدنه.. أو إعاقة ولده..
لا بد أن نقتنع أننا جميعاً تواجهنا في حياتنا مشاكل ليس لها حل.. فلا بد أن نتعامل معها بهدوء ثم نجزؤها ونحاول التوصل إلى حلول لها ولنا مما قاله البلغاء مسلكا وعبرة ومنهم الشاعر ايليا أبو ماضي حيث يقول:
(قال: السماء كئيبة وتجهما/ قلت: ابتسم، يكفي التجهم في السما/ قال: الصبا ولى! فقلت له: ابتسم/ لن يرجع الأسف الصبا المتصرما/ قال: التي كانت سمائي في الهوى/ صارت لنفسي في الغرام جهنما/ خانت عهودي بعدما ملكتها/ قلبي فكيف أطيق أن أتبسما/ قلت: ابتسم واطرب فلو قارنتها/ قضيت عمرك كله متألما/ قال: العدى حولي علت صيحاتهم/ أَأُسَرُّ والأعداء حولي في الحمى/
قلت: ابتسم، لم يطلبوك بذمهم/ لو لم تكن منهم أجلَّ وأعظما! قال: الليالي جرعتني علقماً/ قلت: ابتسم ولئن جرعت العلقما/ فلعل غيرك إن رآك مُرَنِّماً/ طرح الكآبة خلفه وترنما/ أتراك تغنم بالترنم درهماً/ أم أنت تخسر بالبشاشة مغنماً/ فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى/ متلاطم ولذا نحب الأنجما).
نعم ابتسم واستمتع بحياتك، واحذر أن تؤثر ظروفك وانفعالاتك على سلوكك في عملك، وأولادك، وزملائك، فما ذنبهم أن يتحملوا نتائج لم يساهموا بها وليسوا طرفا فيها وهم لا يملكون حلها؟ لا تجعلهم إذا رأوك أو ذكروك أن يتذكروا الهم والحزن. لذا نُهى عن النواح والصراخ على الميت وشق الجيب، لأن الصراخ والعويل لا ينفع شيئاً سوى أنه يقلب متعة الحياة إلى أحزان.
وقد مشى المعافى بن سليمان مع صاحب له، فالتفت إليه صاحبه عابساً وقال: ما أشد البرد اليوم؟ فقال المعافى: استدفأت الآن؟ قال: لا.. قال: فماذا استفدت من الذم؟ لو سبّحت لكان خيراً لك.
من كتاب «استمتع بحياتك» لمحمد العريفي
منال الشامسي ـ الإمارات