لا يمكن أن يقارن حزن أم مُسنَّة على فقد فلذة كبدها بحزن أي أحد، كما لا يمكن لأحد أن يصف ما تكابده أم في مصاب كهذا خاصة إذا كان الفقيد ذكرا؛ لذلك يدع المعزون بان يضربها الله بعصا الصبر لعله يلهمها الصبر والسلوان.

حين يهيمن الحزن ويغمر القلوب المحبة، ويفيض الدمع مدرارا، وتتعالى آهات العويل، يقف المرء مذهولاً أمام أم عجزت في عينها الدموع وتوقف قلبها قبيل الخشوع. هي أم أشلها المرض قبل أيام من إصابة ابنها البكر بمرض عضال. أدخلت المشفى غائبة عن الوعي، وألسنة العائلة تلهج بالدعاء لها وطلب الشفاء، فخرجت من الغيبوبة ولكن بنصف عافية. أما القدر الذي أحكم منهاجه بدقة فقد كان له قول آخر، وقد اختار ابنها.

كان الحزن محاصرا بين العمى والشلل، بين الشيخوخة والضعف، بين الصبر والذهول. حين وقع عليها الخبر. كانت ممددة على الفراش، وكان قلبها متوقدا بخفقان مشتعل بالأمل، لكنه القضاء وقد نفذ ليردد المقولة (لا تيأس من مريضك ولا ترجي صحيحك) لم يمهل المرض بكرها وقتا أكثر ليتم حلمه بانجاز (الديوانية) التي سيضم بها أفراد العائلة الكبيرة المبعثرة.

كيف يعجز القلب أمام الموت؟ وكيف يجف الدمع وسط الحزن؟ وكيف يفشل اللسان في قول ما يمكن قوله؟ هل هو الإعياء والكبر، أم هو الاحتواء، واحتشاد العائلة وتوافد الناس؟ إن الموت يقوم بما تفشل في القيام به الوسائط والمحاولات وخطط المؤامرات للم الشمل، فليس مثل الموت يقدر على جمع حتى الخصوم تحت سقف واحد.

تلك الأم كانت عاجزة حتى عن الحزن، عاجزة عن إطلاق الدمع، لكن الأكثر عجزا كان ذلك الكهل المحدودب الظهر إنه الأب المكلوم وقد فقد القدرة على الكلام، فكيف يواسي شريكة الرحلة القديمة ورفيقة العمر الطويل، والمصاب واحد.

إنهما والدان مكلومان وقد بلغا من العمر عتيا، يعزي أحدهما الآخر بلمس اليد ولثمها، إذ احتبس الكلام منذ زمن، وتحجر الدمع مع الوجع، ولم يتبق سوى ما يختزنه القلب من مرارة تلوكها المشاعر حتى آخر ما تبقى من عمر. الموقف يدفع المرء لأن ينظر ويتمعن ليعتبر.

ميسون عبدالله ـ الامارات