ازدادت في فصل الصيف المنصرم الجرائم التي ارتكبها الشباب باستخدام السلاح الأبيض، وتوقعت الجهات الأمنية انحسارا في أعداد تلك الجرائم بانتهاء الإجازة الصيفية وعودة الطلاب إلى مدارسهم. إلا أن توقعاتهم لم تكن صحيحة، فتلك الجرائم لا تزال ترتكب ولا تزال مستمرة.
إن مشكلة جرائم السلاح الأبيض المرتكبة بين الشباب مشكلة معقدة، فعندما يعتدي أحدهم أو فريق منهم على آخر يلجأ المعتدى عليه إلى عيادات خاصة للعلاج، تفاديا لوصول الخبر إلى الجهات المعنية، وتفاديا لفتح بلاغ، وتمكينا للمعتدى عليه لأخذ الثأر باليد.
فالعيادات الخاصة لا تقوم بتبليغ الجهات المعنية بوجود مريض معتدى عليه فهي تعامل المريض كزبون يدر عليها مدخولاً، أما المستشفيات والعيادات الحكومية فترفض علاج المريض قبل استدعاء الأمن لمعرفة الملابسات.
كما أن بعض المعتدى عليهم يتجنبون إبلاغ السلطات ظنا منهم بأنها لن تكون قادرة على الظفر بالمعتدي، ويوكلون أمرهم لله، بالرغم من أن الضحية في كثير من الأحيان يصل إلى حافة الهلاك من جراء الاعتداء.
كلنا نؤمن بمسألة القضاء والقدر، إن ذلك أمر مفروغ منه، إلا أن إبلاغ السلطات المعنية عن هكذا اعتداءات يشكل لديهم مؤشرا بمقدار انتشار هذه الظاهرة في المجتمع، وبالتالي الإسراع إلى حلها، ما يحول دون تعرض المزيد من الشباب ضحايا لهذا النوع من الاعتداء.
إن مسألة أخذ الثأر شخصيا مشكلة لها تداعيات كثيرة، فهي تنشر الفوضى في المجتمع بالرغم من وجود جهات الاختصاص لاستلام مثل هذه الأمور وحلها، كما أنها تعد بداية لسلسلة من الجرائم التي تفتك بأمن المجتمع، وتثير البلبلة بين أفراده، وتنشر بين الشباب ثقافة الانتقام، وتجعل من المدينة مكانا أشبه بالبراري يأكل فيها مفتول العضلات الضعيف، ويعطل صوت العقل الذي يجب تفعيله في هكذا مواقف، كونه هو الوحيد القادر على تهدئتها.
قد يقبل المعتدي على فعل كهذا بسبب خلاف لا يعرف كيفية حله إلا بالعضلات، خاصة وأنه في عمر فورة الهرمونات التي تكون هي الموجه الرئيسي لجميع تصرفاته في هذه المرحلة، وبسبب عدم وجود من ينصحه بالرفق واللين، ضمانا لمروره عبر هذه المرحلة الشائكة بسلام، أو قد يكون ضمن عائلة لها رصيد كبير من المشاكل الداخلية التي تعصف بها، وقائمة الأسباب لا تنتهي، وهي ما يجب أن تركز عليها الجهات المعنية لتتمكن من حل هذه المشكلة.
أما أنجع الوسائل للتقليل من هذه الظاهرة فهي تثقيف الشباب عبر قنوات عدة أهمها المناهج التي تعرض عليهم في المدرسة. فدمج هذه المعلومات في مقررات التدريس يضع الإصبع على مفتاح الحل، فتثقيف الشباب بكيفية التصرف عند محاولة أحدهم الاعتداء عليه.
أو في حال تم الاعتداء عليه فعليا، يكسبه نوعا من الثقة بالنفس، وقدرا من السيطرة على مجريات الأمور إن استدعى الأمر، فكون القصة مألوفة لديه بتفاصيلها يسهل عليه التصرف الإيجابي السريع عند التعرض للهجوم أو الخطر.
كما أن استخدام المسجد لتوعية الآباء أمر مهم، فالتواصل السليم بين الآباء وأبنائهم يحول دون انتشار هذه الظاهرة، ولا أعتقد أن المسجد مكان مناسب لتوعية الشباب أنفسهم، فالشباب المتورطون في مشاكل كهذه لا يترددون على المساجد على أكبر تقدير. كما أن إدخال الإعلانات التثقيفية في البرامج الموجهة للشباب يعد أمرا مساعدا.