نخيل البلح من أقدم الأشجار التي عرفها الإنسان، ويقال ان عمر شجرة النخيل يربو على أربعة آلاف عام، وأن الخليج العربي موطنها الأصلي، حيث ينمو أفضل أنواعها. فمن زرع النخلة عرف أنها رمز للحياة، استضافت الإنسان وأعطته حياة سكينة وهدوء.
فقد كانت النخلة تشكل كل شيء للأجداد وكانت أفضل صديقة للبيئة، انتفعوا بكل جزء منها، وبكل عنصر من عناصرها، فهي تحمل التمر، الذي كان يشكل طعامهم الرئيسي وفاكهتهم الطبية التي لا غنى عنها في كل مواسم السنة. وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله علية وسلم شبه شجرة النخلة بالرجل المسلم، لا يسقط ورقها وذهب ابن الجوزية في تفسير هذا الحديث أن سبب تشبيه النخلة بالرجل المسلم هو كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام. وأن ثمرها يؤكل رطبا ويابسا، وبلحا ويانعا، وهو غذاء ودواء، وقوت وحلوى، وشراب وفاكهة. وجذوعها تستخدم للبناء والآلات والمراوح وغير ذلك. ومن ليفها الحبال والحشايا وغيرها، ثم آخر شيء نواها علف للإبل، كما يدخل في الأدوية والأكحال. فلا أشبه بها من الرجل المؤمن، إذ هو الخير كله، ونفعه ظاهر وباطن.
وكلما نظر أجدادنا للنخلة شعروا بحب عميق نحوها يتجدد مع الأيام. وإذا رجعنا بالزمان إلى الوراء لوجدنا النخلة في كل ركن. فقد تعلم أجدادنا زراعتها وتطويعها لصنع كل احتياجاتهم، فالنساء في الماضي استغلت السعف في صناعة السلال والصناديق وأدوات الزينة مثل الجفير، الذي تسفه المرأة بصورة دائرية مجوفة، ويستخدم لنقل الأتربة والأسمدة وثمار النخيل وحفظ الأطعمة.
الفقة، وهي أصغر من الجفير ومصنوعة من الخوص الملون وتستخدم لحفظ الملابس والأغراض المنزلية. المهفة (المروحة)، ذات الشكل المربع وفي احد جوانبها عود من الجريد وتستخدم يدويا للتهوية وخاصة في فصل الصيف.
الحصير، وهو شبيه بالمدة إلا انه يصنع من الخوص الخالص ويفرش في المساجد والمجالس والغرف، ويستخدم أيضا كغطاء داخلي لأسقف الغرف. الكفار، ويسمى السفرة وهو عبارة عن بساط دائري الشكل مصنوع من الخوص الملون، ويستخدم لوضع الأطعمة عليه أثناء تناول الوجبات أو لوضع الفواكه للضيوف (الفوالة).
العسو أو المكشه (المكنسة)، وهي تصنع من جريد السعف وخوص وأوراق النخيل وتستخدم للكنس داخل الغرف والمطبخ. المغطى أو المكبة، وهو غطاء هرمي الشكل مصنوع من الخوص الملون، لتغطية الأكل وحمايته من الحشرات. بالإضافة إلى العديد من الأمور الصغيرة كالمكحلة التي تحفظ فيها المرأة أدوات زينتها أو الكحل.
ويأتي دور الرجال في تصنيع الأشياء الكبيرة أو التي تحتاج إلى جهد أكبر مثل العريش، وهو بيت أو غرفة تتكون من أربعة جذوع مرتكزه على الأرض ويغطى الجزء العلوي والجوانب بالسعف، حيث يتم ربط مجموعة من السعف بالحبال المصنوعه من الليف.
كما صنعوا العريش بمجموعه من جريد سعف النخيل الجاف يتم ربطها على شكل صفوف متراصة. ويستخدم لبناء سقف المنزل. بالإضافة إلى الحابول وجراب السح أو اللحم المشوي وغيرها من الأمور التي لا يمكن تعدادها.
أدلة كافية
وهذا دليل على أهمية النخلة ودورها الكبير في حياة أهل الإمارات والخليج في الماضي. ولا يمكن القول ان النخلة فقدت مكانتها حاليا ولكنها فقدت دورها كمنتج للأدوات الحياتية. بعد أن حلت المنتجات الصناعية بديلا عنها. وبذلك حلت النخلة ضيفا على بعض المزارع والبيوت والطرقات وتحتل موقعا في قرى التراث وبعض زوايا المنازل كزينة وفي مهرجانات إحياء التراث.
عجائب النخلة
وأسرار النخلة كثيرة وعجائبها أغرب فهي مستقيمة ومعتدلة تماماً كالإنسان، إذا قُطع رأسها ماتت، وتتأثر بموت من جاورها، وكذلك بموت زارعها، وهي تعشق كرام الناس، وتعوِّض بأكثر مما يكرمها الإنسان، لها قبائل وأصلها واحد، وثمرها مختلف في الطعم واللون، تعبِّر عن الضيق والعطش، وتعيش عمراً مديدا كعمر الإنسان، ومن ينظر للنخلة تبث فيه الاطمئنان وتثير في نفسه شجونا وذكريات، أسرارها كالبحر زاخرة بوابل الحكمة والمعرفة فقد قيل فيها أبياتا شجية:
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة
تناءت بأرض الغرب عن بلد النخلِ
فقلت شبيهي بالتغرب والنوى
وطول التنائي عن بني وعن أهلي
ومن أمراضها سقوط الثمرة بعد الحمل، وعلاجه أن يتخذ لها منقطة من الأسرب وهو الرصاص فتطوق به لا تسقط بعدها، أو يتخذ لها أوتاداً من خشب البلوط يدفن حولها في الأرض، من عجيب أمرها أنك إذا أخذت نوى تمر من نخلة واحدة، وزرعت منها ألف نخلة، جاءت كل نخلة منها تشبه الأخرى. ومن شموخها تموت وهي واقفة، وقد تموت بموت زارعها.
منهج الوسطية
فهي الشجرة التي بكت على فراق الرسول صلى الله علية وسلم واشتاقت إليه، وهي من قال عنها أبي عبد الله: استوصوا بعمتكم النخلة خيراً فإنها خلقت من طينة آدم ألا ترون أنه ليس شيء من الشجرة يلقح غيرها.
فهي تشبه الإنسان من حيث استقامة قدّها وطولها، وامتياز ذكرها من بين الإناث، واختصاصها باللقاح، ورائحة طلعها كرائحة المني، ولطلعها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها، ولو قطع رأسها ماتت، ولو أصاب جمارها آفة هلكت.
والجمار من النخلة كالمخ من الإنسان، وعليها الليف كالشعر في الإنسان، وإذا تقاربت ذكورها وإناثها حملت حملاً كثيراً لأنها تستأنس بالمجاورة، وإذا كانت ذكورها بين إناثها ألقحتها بالريح، وربما قطع الفها من الذكور فلا تحمل لفراقه، وإذا دام شربها للماء العذب تغيرت، وإذا سقيت الماء المالح أو طرح الملح في أصولها حسن ثمرها.
وتتعرض لأمراض مثل أمراض الإنسان، منها الغم، وعلاجه أن يقطع من أسفلها قدر ذراعين ثم تخلل بالحديد. والعشق هو أن تميل شجرة إلى أخرى فيخفّ حملها وتهزل، وعلاجها أن يشدّ بينها وبين معشوقها الذي مالت عليه بحبل أو يعلق عليها بسعفة منه، أو يجعل فيها من طلعه.
ابتسام الشاعر

