أكدت العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية أن معظم المشكلات الزوجية (ومن بينها ارتفاع معدلات الطلاق) ناجمة عن تصورات خيالية للحياة الزوجية بذهن طرفي العلاقة الزوجية أو أحدهما، وذلك خلال الفترة السابقة على الزواج، حيث يتعرض الطرفان أو أحدهما لصدمة، تختلف حدتها من شخص لآخر، ولكن آثارها بالتأكيد تبقى غير بسيطة،.

حيث يحتاج من تعرض لها إلى فترة ليست بالقصيرة للتخلص من تأثيراتها السلبية، وقد لا ينجح في ذلك فيعيش حياة زوجية تعيسة إذا لم تسمح له ظروفه بالطلاق، وغالباً ما تكون هذه التصورات الوهمية مستندة إلى ما تتم مشاهدته من مسلسلات وأفلام تلفزيونية أو سينمائية، أو تبعاً لما يتم قراءته من روايات وقصص عاطفية تغص بها المكتبات. فهذه الخلفية من الكتب والدراما تتحمل الكثير من المسؤولية في صياغة الأفكار والتصورات لدى الشبان والفتيات عن العالم المثالي للزواج، حيث يتم تقديم الزوج أو الزوجة بصورة غير واقعية تظهرهم وكأنهم ملائكة لا يخطئون، في حين تقدم الحياة الواقعية مشهداً يعج بكل التفاصيل التي لا تشبه تصوراتهم.

هذه القضية كانت محور تحقيقنا الذي تضمن استطلاع آراء العديد من الشبان والشابات بالإضافة إلى الأزواج للوقوف على حقيقة تأثير هذه التصورات في استقرار الحياة الزوجية

إرباك

تقول سمية هاشم، مدرسة، أن التصورات المبنية على أوهام تسهم إلى حد كبير في إرباك الحياة الزوجية وربما تدميرها على المدى القصير والمتوسط، مشيرة إلى أن الجميع رجالاً ونساءً يحملون قبل الزواج الكثير من الأحلام والأفكار حول طبيعة الحياة الزوجية، فيما تختلف درجة الإيمان أو الثقة بتحقق هذه التصورات من شخص لآخر.

موضحة أنه وتبعاً لدرجة الإيمان التي يحملها هذا الشخص أو ذاك بهذه الأفكار يكون حجم الصدمة التي يتعرض لها لدى وضع ما يعتقده ويؤمن به موضع الاختبار أي عند دخوله معترك تجربة الزواج.

معاناة

وأيدت نجاح حمد، مدرسة، ما قالته زميلتها، مشيرة إلى أنها عانت شخصياً كثيراً في سنوات زواجها الأولى جراء المفاجأة التي تعرضت لها والمتعلقة باكتشاف العديد من الصفات السلبية لدى زوجها الذي كانت تعتقد أنه (كامل الأوصاف) خلال فترة الخطوبة، هذا الاكتشاف كاد أن يطيح بزواجها لولا تدخل العقلاء.

وأضافت ضاحكة انها اكتشفت لاحقاً أن المشكلة ليست في زوجها بل بما كانت تحمله من تصورات مثالية عن الزوج والعلاقة الزوجية إجمالاً.

تأثيرات محدودة

وقلل حازم الصافي، مهندس، من أهمية مثل هذه التصورات وإن لم ينكر دورها في (التنغيص) على الزوجين في بدايات الحياة الزوجية، موضحاً أن الأمور سرعان ما تعود إلى وضعها الطبيعي لدى زوال تأثيراتها المسبقة.

والتي تتحكم بها التجربة الواقعية، لافتاً إلى أن زوجته في الأشهر الأولى لزواجهما كانت تتعامل مع الوقائع اليومية وفق منطق خيالي ربما كانت قد صاغته في مخيلتها الأفلام السينمائية أو القصص والروايات الرومانسية التي كانت مدمنة على قراءتها، موضحاً أنها بدأت تفهم وقائع الحياة بشكل تدريجي بعيداً عن الأوهام إلى أن استقرت الأمور تماماً.

تصورات مثالية

وكان الوضع أكثر صعوبة في حالة صبحي كاظم، مندوب مبيعات، الذي عانى الكثير جراء التصورات المثالية التي كانت تحملها زوجته عن الحياة الزوجية، إلى الحد الذي وصلت فيه الأمور بينهما إلى حافة الطلاق مرات عدة.

موضحاً أن بدايات معاناته كانت عندما عاد إلى البيت يوم عيد الحب «الفالنتاين داي» والذي تصادف موعده بعد أسبوع من زواجهما، دون أن يحمل لها وردة حمراء، فانخرطت في نوبة بكاء حادة كلفته الكثير من الاعتذارات والتعهدات بعدم نسيان مثل هذه الأمور المهمة مرة أخرى.

ويشير كاظم إلى أن مسايرته الكبيرة لها في أحداث مماثلة كان تأثيرها سلبياً جداً لأن مطالبتها بتحقق مثل هذه التصورات المثالية تحول إلى هاجس، وعندما قرر لأول مرة عدم مجاراتها في مثل هذه الأمور أقامت الدنيا ولم تقعدها وطالبت بالطلاق.وأكد ان مرور السنوات خفف من معاناته قليلاً وإن لم ينجح في إنهائها تماماً.

خديعة

واعتبرت نورا الزين، طالبة جامعية، ان العديد من الأزواج ينقلبون على وعودهم لزوجاتهم عقب الزواج، ثم يبدأون بالتذمر والشكوى من تصوراتهن المثالية، بل يصل بهم الأمر إلى حد السخرية منها ومن مشاعرها، موضحة أن الزوج هو المسؤول إلى حد كبير عن صياغة التصورات التي تحملها زوجته من خلال أحاديثه معها أثناء فترة الخطوبة.

حيث يقدم نفسه بشكل مغاير للحقيقة لإحداث حالة الانجذاب من قبلها إليه ثم يبدأ بالتراجع عما قاله والعودة إلى طبيعته التي تشكل صدمة عنيفة للزوجة الحالمة التي صدقت كل ما قيل لها، لافتة إلى أنه وحتى تصبح قادرة على استيعاب وتقبل ما حصل فإن توترات عديدة ستعتري الحياة المشتركة بين الزوجين.

رأي الطب النفسي

الدكتور رفيق عاصي، أخصائي علم النفس، شدد على ضرورة التعامل بصدق وشفافية بين طرفي العلاقة الزوجية قبيل الزواج، بالنظر للمخاطر الكبيرة التي قد تتسبب بها حالة المراوغة والتحايل التي قد يعمد إليها أحد طرفي العلاقة في محاولة لترسيخ حضوره في عقل وقلب الآخر.

وأوضح أن أبسط نتائج هذا السلوك يتمثل في حالة التوتر والشجار التي قد تسيطر على الحياة اليومية وصولاً إلى الانفصال، معتبراً أن مسؤولية نشوء هذه التصورات وهوية من يحملها ليس بالضرورة أن يكون الرجل وحده أو المرأة وحدها فقد يكون الطرفين قد أسهما في تكوينها، بمعنى أن الدخول بتصور ما إلى الحياة الزوجية قد يحمله الرجل أيضاً ويكون خاطئاً وتتحمل مسؤوليته المرأة بتقديمها نفسها بشكل مغاير لحقيقتها.

ودعا الدكتور عاصي طرفي العلاقة الزوجية إلى توخي الحذر والتعامل بشفافية كاملة، إلا أنه أشار إلى أن هذا الأمر لن ينتهي وسيبقى قائماً انطلاقاً إلى سعي الشخصية الإنسانية الدائم نحو التميز وتأكيد الذات.

خالد اللوباني