وماذا بعد بكين؟ هذا هو السؤال الذي بات يشغل أذهان العالم وبالطبع نحن العرب، فقد كسبت الصين الرهان وكل الرهانات بالابهار والادهاش والابداع الذي سلب القلوب والأبصار وخلب العقول وأثبتت قدرة التنين الأصفر على التنظيم والتفوق والاعجاز البشري.
وفشلت كل الألاعيب السياسية المكشوفة التي حاول البعض اثارتها للفت انتباه العالم بعيدة عن المعجزة الصينية المتوقعة وصفق الأعداء قبل الأصدقاء اعجابا واندهاشا بما حققه الصينيون.
لقد فرضت بكين بتنظيمها دورة الألعاب الأولمبية على مستوى عال، صورة الصين الحديثة والفاعلة وتحسين صورتها كثيرا في العالم ولو انفقت الصين مليارات مضاعفة من الدولارات لما استطاعت تحسين الصورة الخارجية لها مثلما فعلت الأولمبياد فقد انفقت 42 مليار دولار لتنظيم الأولمبياد لكن اعتقد أنها ربحت الكثير والكثير على المدى القصير والمتوسط والبعيد أيضا والتي يمكن أن تستفيد منها شركاتها لكن تأثيرها المباشر على الاقتصاد لا يبدو كبيرا.
ويجمع العديد من الخبراء في السياسة والاقتصاد أن «الألعاب الأولمبية ستشكل مرحلة اخرى في تحول الصين إلى اقتصاد فعال ومتجه إلى السوق ومتطور ماليا. لذلك وظفت بكين إمكانات كبيرة، أي نحو أكثر من أربعين مليار دولار من الاستثمارات، مما جعل هذه الدورة الأكثر كلفة في تاريخ الألعاب الأولمبية.
ورغم ضخامة المبلغ الذي تم انفاقه على الأولمبياد في بكين والاستثمارات التي وظفت خلال ست سنوات من الاستعدادات فهي ضئيلة بالمقارنة مع ثروة البلاد.
فهي تشكل اقل من واحد بالمئة من إجمالي الناتج المحلي للعام 2007 وحده (3400 مليار دولار) أو كما تقول مجموعة «كابيتال ايكونوميكس» انه «اقل بقليل من نصف ميزانية التعليم العام الماضي». وهذه الأموال وظفت خصوصا في مشاريع للبنى التحتية كانت العاصمة الصينية تحتاج إليها أصلا. وقد خصص اقل من9,1 مليار دولار للمنشآت الرياضية التي بنيت لدورة الألعاب الأولمبية.
والآن كيف ننظر نحن كعرب الى تلك الأولمبياد وهل كنا نطمع في تنظيمها. فالقاهرة مثلا كانت تنافس على تنظيم هذه الدورة منذ دورة سيدني وهو ما قد يدهش البعض ويجعله مستغربا وهل كانت القاهرة أوغيرها من الدول العربية قادرة على مثل هذا التنظيم المبهر، ناهيك عن حجم الانفاق الذي يفوق قدرة اقتصاد أي دولة عربية.
هو سؤال للمستقبل دون الدخول في تفاصيل الحصيلة العربية المخزية من المشاركة في الأولمبياد بل نكاد نقول ان العرب خرجوا بخفي حنين الا قليلا من هذه الدورة.
ففي كل دورة نخرج كعرب ونقول انتظرونا في الدورة المقبلة وسوف نخطط وندرس ونجهز ولكن في النهاية تتكرر المأساة ويتكرر نفس المشهد الهزلي في خروج المسؤولين ببيانات تبرير للخيبة القوية.
وصدقوني لن يحدث شيء في دورة لندن المقبلة ولن تتمخض لجان التحقيق في الفشل عن شيء طالما نفتقد الى أصول علم الادارة والتخطيط السليم في حيا تنا بشكل عام وفي رياضتنا خاصة.
لا بد أن نتخلص من العشوائية في التفكير والتخطيط في كل مناحي حياتنا وأن ننكر الذات في التخطيط ونبتعد عن المنظرة وزعم البطولات الزائفة لأن دولا صغيرة وجزرا تكاد لا نعرفها إلا بالكاد تفوقت رياضيا علينا ولمع اسمها في كل أنحاء العالم الذي شاهد الدورة الاولمبية.
لقد قدمت الصين النموذج الفذ في الإخلاص والتفاني والجد في العمل والاجتهاد حتى بلغت مراقي النجاح وحصلت على الدرجة كاملة في النجاح وأسكتت كل الألسنة التي شككت في قدرة التنين الصيني العملاق على إخراج الدورة بالشكل المناسب.
وفي غالب الظن فان دورة بكين تشكل مرحلة فارقة بين ما قد مضى من دورات وبين ما هو آت وستضع المدن المنظمة بعدها في مأزق حقيقي وسيظل العالم يتحدث طويلا عن دورة بكين أو بيجين وستبقى في الذاكرة لدورات أخرى مقبلة كنموذج للإبداع والإعجاز البشري الصيني في التنظيم. وقالت الصين كلمتها للمستقبل «إننا قادمون وبقوة في الاقتصاد والسياسة والرياضة وأشياء أخرى» .
وصدقت نبوءة نابليون بونابرت عندما حذر منذ أكثر من قرنين من الزمان من التنين الصيني الذي اعتبره نائما وقتها وحذر من استيقاظه وهو ما قد حدث أو بدأت لحظات استيقاظه وفوقانه لإصلاح الخلل في دفة القيادة في العالم.
انها المعجزة الصينية التي نسخر منها في بعض الأحيان ونشارك الغرب في تشويه سمعتها في الانجاز والتقدم والتنمية والانتاج الذي غزا كل سوق وبيت في العالم من دون أن نكون قد صنعنا شيئا سوى الوقوف محلك سر أو التقدم نحو الخلف بسرعة مذهلة.
ان الأمم الحية صاحبة الإرادة والرؤية السليمة نحو الهدف والأمل هي وحدها التي تستحق أن يكون لها موقع وعلامة بارزة في هذا العالم، وما دونها من الأمم التي تكاسلت وتقاعست فلن يلتفت لها العالم وستنزوي إلى دائرة النسيان ولن ينفعها جوقة إعلامها الفارغ والطنطنة بالتاريخ والحضارة طالما لم تحسن التعامل مع تاريخها ولا مع حضارتها.
محمود عبد الرحيم ـ دبي
