كلما نظرت إليها أجدني أكابد التحكم في مدامعي، لكنها لا تدع لي مجالا مع مشاعري، وأظنها تدرك ماهيتها أكثر مني. فهي تقابل الجميع وأنا بابتسامة مشرقة وترحب بصوت واثق وهادئ، تعمل بكل الطاقة المتوفرة في إرادتها على الحياة والعيش من كد ساعدها وجهدها، تقول جئت إلى الحياة بتشوه خلقي أراده لي الله، لكن إخوتي وأخواتي السبعة يتمتعون بالعافية ولله الحمد بينما حظي من العافية كان اقلهم. لكن إخوتي كانوا العون لي في جميع مراحل حياتي.

فكان واحدهم يمنحني جزءاً من عافيته لاستمر وأتساوى معه. لم اشعر بالنقص أو الغبن يوما على الرغم من إعاقتي الحركية الكاملة؛ لكن العلم ساهم بتعويض عجزي عن الحركة بما توصل إليه من اختراع تمثل في المقاعد المتحركة المتطورة والمجهزة بكل سبل الأمان والتحكم. نعم قد أكون معاقة لكن محبة أسرتي ومساندتهم ومساعدتهم لي واحتوائي بالحنان والصبر كانت عوامل علاج أساسية دعمتني ودفعتني للحياة، وخلصتني من أي أثار نفسية قد تترسب في أعماقي وتعيق حياتي وتفكيري.

نعم هكذا تحدثت نون وقد تخرجت في الجامعة وهي على مقعدها المتحرك، وشغلت وظيفة تناسب قدراتها وتؤمن لها معاشا جيدا. تؤكد نون انه الحب من الأهل.. وخاصة إخوتها الذين لم يسمحوا يوما ليد تمتد لمساعدتها غير أياديهم، ولا عين غير أعينهم ترقب حركتها وحاجتها.

لم يتذمر أي منهم يوما، أو يعبس في وجهي، أو يتجاهل وجودي أم يتناساني عن المائدة أو الحضور، حتى منزلنا حين تم إنشاؤه فقد غلبت على تصميمه احتياجاتي، وكذلك سيارة العائلة حين اقتناها والدي فقد حرص أن يوصي على ما يتناسب ووضعي حتى لا انفصل يوما عن أسرتي وإخوتي.

جزا الله والدي وإخوتي كل خير. هكذا تحدثت نون مؤكدة أنها لم تشعر يوما بعجزها أو أنها بحاجة إلى شيء، وكل ذلك بفضل أسرتها المتحابة المتكاتفة والتي لم تنظر إليها كعالة وإنما كحالة حرصت على أن تتكيف معها لتتمتع بنعمة الحياة التي وهبها الله لها.

جميلة خالد أحمد ـ الإمارات