يدلف الفرح غالباً من بوابات الحزن الضيقة، وينشر أشرعته في مساحات تغمرها أطياف من ذكريات تأبى أن تقدم استقالتها أو تستريح من عناء المكوث على أهبة الاستعداد.. هنا يدهمنا الفرح على نحو مفاجئ، ويمنحنا في الوقت ذاته شعورين مختلفين.. سعادة تطفح بها الوجوه ولا تخفى على أحد، وحزن خفي يلقي بنفسه كما اتفق وعلى غير هدى حين يتسلل إلى قلوبنا صوت المؤذن معلناً موعد صلاة المغرب، أو إطلاق صوته العذب ليزيل النعاس الذي يسكن العيون ولم ينجح في اجتياح أرواحنا. هو شهر رمضان..

وهو العيد.. نحتفظ لهما بأجمل الذكريات ننتظر قدوم كل منهما بشغف.. نعتقد أن شهر رمضان يحمل بعض الصعوبة في لحظة، فنحلم بقدوم العيد، وعندما يلج من بوابتنا نعيد استحضار الحلم بشهر رمضان. العيد يلقي بنفسه في أحضان حدائق دبي، يتوسد خدي طفلة صغيرة أبت إلا أن تمتطي ظهر والدها الذي ابتسم وقال لها وهو يغمز لها: ليس بعيد ذاك الزمن الذي سأصبح بحاجة فيه إلى من يحملني أو أتوكأ عليه.. فهل ستكونين حاضرة؟

غير بعيد عنهما كان ذاك الطفل يبكي وحدته بعد أن اكتشف ذلك وهو ينهي آخر جولة له في تلك اللعبة الإلكترونية التي كانت تدور به كما تدور بنا الحياة .. إلى ما لانهاية.. لم يطل بكاؤه كثيراً فقد جاءت تلك السيدة إليه من خلف الشجرة الوارفة الظلال واحتضنته .. ضحكت كثيراً وقالت له لم يزل العمر مديداً أمامك وستحتاج إلى هذه الدموع كثيراً.. وقد لا تجدها في لحظة ما وقت الحاجة.!

اقتربنا بكل حذر من تلك العائلة التي ذابت فروقات العمر بين كبارها وصغارها.. لأن جميع أفرادها أعلنوا حالة العصيان للحزن والكآبة .. الجميع يمرح .. الجميع يغني.. الجميع يرقص.. أحدهم ولا أدري ما اسمه، أو كم كان عمره قال لي : هنا في حدائق دبي لا مجال للطاعة.. طاعة الحزن والكآبة. ـ من أنت.. سألته..

فقال لي أرجوك لا تكثر من الأسئلة، هنا ووسط هذا الفرح الغامر وثغاء الأطفال يصبح السؤال عن الهوية غريبا.. لأن هويتنا الوحيدة في مثل هذا المكان هي أناس يمتطون صهوة الفرح سألته، ماذا تفعل، فقال لقد فعلت الكثير في أيامي الماضي..

وهنا وفي هذا المكان أريد فقط أن أختطف لحظات سعادة من فرح أطفالي الذي لو وزعوه على العالم لفاض منه الكثير على جنبات طريق حياتهم. وألملم شتات فرحي وحزني الخفي وأنا أغادر المكان تطاردني أصوات ضحكات الأطفال وضجيج السعادة التي يحدثها آباؤهم وهم يستعيدون أيام العمر التي انقضت.. هنا في حدائق دبي للعيد معنى مختلف تستحضره المساحات الخضراء التي تزينها الطيور المهاجرة وضحكات طفل ألقى بنفسه في أحضان أمه.

مأمون وسؤال العيد

يلتقط بأصابعه النحيلة والطويلة حبات من الحلوى، ويطالب الجميع ومنذ الصباح الباكر بأن لا يسقطوه من حساباتهم مع التباشير الأولى لفجر العيد.. فهو مثلهم بحاجة إلى لحظة فرح، بل ربما يفوقهم جميعاً في الحاجة إلى الجري في ممرات البناية التي كانت طوال الأيام الماضية حكراً على أولادٍ من عالم غير عالمه، هو بحاجة إلى امتطاء غصن شجرة ليطارد عصفوراً حط عليه قبل قليل..

مأمون يرسم بيديه في الفراغ صورة طائرة ورقية تعاند الرياح العاتية، فيما هو مستسلم ليدي شقيقته التي تعيد ترتيب ملابسه الجديدة التي كان يبادر بين الفينة والأخرى في نفض الغبار المزعوم عنها.. (مأمون) كان أول الطارقين لبوابة الحديقة التي منحته الفرصة دون تردد ليطلق ساقيه للريح وكأنهما كان يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد.. هو يضطجع هناك ليداعب سرب نمل يسافر في رحلته الأبدية.. هو يجلس هناك قرب نافورة الماء التي تطلق مياهاً إلى السماء في محاولة فاشلة لصنع غيوم مازال الوقت مبكراً كي نستضيفها فوق بيوتنا.

خالد اللوباني