لا عيد بلا حلويات تصنع في البيت وتفوح رائحتها في الأرجاء حاملة بشائر الفرح للأولاد، ويتنافس بها الجارات والقريبات ويستعرضن مهاراتهن في إعدادها، فتتحول البيوت ليلة وقفة العيد إلى خلايا نحل، لصنع أنواع مختلفة من الكعك والمعمول، ولم يفلح الغلاء وارتفاع أسعار المواد الأولية في التأثير على هذه العادة التي لا يحلو العيد إلا بها.

تقول سهام العزب انها تبدأ قبيل العيد بليلة أو ليلتين بصنع كعك العيد وانها تقوم عادة بصنع كميات كافية تزيد على 10 كيلو غرامات، حيث يتم تقديمه للضيوف في العيد.

ومنها يتم توزيعه على الأقارب، وما يزيد يستهلك على مدار شهر كامل، لافتة إلى انه رغم ارتفاع أسعار مكوناته الرئيسة وخاصة الطحين والسمن والمكسرات التي زادت بما يتراوح بين 25-50% عن العام الماضي إلا انه لا غنى عنه فهو عنوان الفرح ولا يحلو العيد بدونه.

وأضافت أن إعداد كعك العيد يتطلب مهارة لا يمكن إن تتقنها أي ربة بيت، فهي تحتاج إلى خبرة طويلة، ويتنافسن ربات البيوت في إعدادها، مشيرة إلى أن كعك العيد والمعمول المصنع من الطحين والسميد والتمر والمكسرات كالجوز والفستق، من أكثر الأنواع شيوعا في العيد، مشيرة إلى انه رغم وجودها في المخابز وبأسعار منافسة لمكوناتها في المنزل إلا انه من الصعب على سيدة البيت عند كثير من الجاليات أن تتخلى عن تحضير المعمول والغريبة والكعك في البيت.

وأوضحت فاطمة عبد الجواد أن الجاليات العربية ولاسيما الفلسطينية والسورية والأردنية لا تزال تفضل إعداد حلويات العيد في المنزل، فهي عادة متوارثة تأبى الانقراض رغم ارتفاع أسعار المواد الولية والأسعار المنافسة لها بالسوق، وذلك لأنها عادة متوارثة، تكتسبها الفتاة من بيت أهلها وتشعرها بسعادة لا تضاهي وخاصة مع فواح رائحة الخبز التي تنتشر في معظم البيوت مع اقتراب حلول عيد الفطر السعيد.

وأضافت أنها تبدأ عادة بإعدادها في يوم وقفة 29 من رمضان حيث تستيقظ في وقت مبكر مع آذان الفجر لتقوم بتحضير العجينة المكونة من 4 أكواب من السمن، و 3 كيلو دقيق، و3 أكواب سكر تذاب في الماء الدافئ، وملعقة ملح و بيكنج بودر، وقطعة صغيرة من خميرة خبز.

وقليل من المحلب المطحون، ثم يُترك العجين بعد تغطيته جيدا في مكان دافئ حتى يختمر، تبدأ بعدها عملية تفتيح العجين ب(المشبك)، وتحويله إلى أقراص مدورة تزين بنقوش (منقاش) تثقيبي وهي أداة خشب ثبتت عليها مسامير منزوعة الرؤوس بشكل هلال أو نجمة أو أشكال هندسية أخرى، مشيرة إلى أن النقش ليس للزينة وحسب، وإنما عملية التثقيب تساعد على إنضاج القرص من الداخل.

وأوضحت أن مذاق الأقراص يختلف بين بيت وآخر حسب نسبة السمن والسكر، وهناك من يجتهد ويضيف الحليب بدل الماء، ثم تترك الأقراص لفترة من الزمن كي تستريح وتأخذ شكلها، قبل أن تودع الفرن لتخرج محمرة حاملة معها بشائر العيد، وما أن تبرد حتى يبدأ الجيران بتبادل التهاني مع الأقراص التي ستؤكل أيام العيد.

مشيرة إلى أن معظم البيوت أصبحت لا تعتمد على طريقة الحشو التقليدية بالتمر وإنما أصبحت تتفنن فيه، فانتشر المعمول المحشي بالفستق الحلبي أو الجوز، حيث تصنع كرات من العجين وتوضع داخلها حشوة الجوز والسكر، أو الفستق الحلبي، تكبس بالقالب لتأخذ شكل نصف كرة صغيرة، وتوضع في صواني لتدخل الفرن وتحمر إلى أن تنضج.

وعن استعدادات المخابز قال سعيد المغربي مدير مخابز السندباد أن المخابز عادة تبدأ في ليلة 28 من رمضان بصنع كعك ومعمول العيد، مشيرا إلى أن الأسعار ما زالت مستقرة إلى حد ما، ولم يطرأ عليها زيادة مقارنة بالعام الماضي، رغم ارتفاع المواد الأولية ولا سيما السمن الذي ارتفع من 70 درهما للصندوق ليصل إلى 210 دراهم.

وكذلك المكسرات ولاسيما الفستق والجوز، إلا أن انخفاض سعر الطحين من 131 إلى 126 درهما في الشهور الأخيرة حافظ على أسعار الكعك إلى حد بعيد.

وأضاف ان الكعك والمعمول المعروف بصناعته في البيوت الشامية والفلسطينية والأردنية واللبنانية أصبح مطلوبا من كل الجنسيات العربية في الدولة، وانه أيضا أصبحت مطلوبة من قبل الجنسيات الأسيوية، نظرا لمذاقها اللذيذ والفريد، وان الطلب يشتد عليها في ليلة التاسع والعشرين من رمضان ويبقى إلى آخر يوم من العيد.

العيد في الماضي تباشير الفرح .. والفريج عنوان للألفة

العيد تباشير الفرح وعنوان للألفة والمحبة والترابط بين أفراد الأسرة والفريج الواحد، العيد في الماضي يمتاز انه بسيط، إلا انه جميل ومفرح، يبدأ الفرح والتواصل والتزاور مع إطلالة الشمس وينتهي مع آخر لحظاته، في الفرجان كان للعيد طعم مذاق مختلف فقد كانت طقوسه متنوعة، ومظاهر الفرح فيه كثيرة، تجمعها البرزة أو الحضرة وهو المكان الذي كان يتجمع فيه الفريج ويتناولون طعامهم معاً.

يقول علي الطنيجي مدير بلدية الذيد إن العيد في الماضي كان يحمل معه تباشير الفرح، وكان عنواناً للألفة والمحبة والترابط بين أفراد الأسرة والفريج الواحد، مشيراً إلى أن العيد كان يبدأ بتجمع الفرجان المتجاورة .

والتي تضم أحياناً 3 أو 4 فرجان لصلاة العيد، وعقب الصلاة يسلمون على بعضهم، ويذهبون للجلوس في البرزة التي عادة ما تكون منصوبة في منتصف الفريج، وأحياناً يكون برزة أيضاً للنساء، ويشكلون مجموعة للقيام بالسلام على أهل الفريج وأول من يبدأ به هو شيخ القبيلة أو كبير الحي، وبعد ذلك يكون الطعام قد اعد فيجمعون الطعام في البرزة من كل بيت ويتناولونه معاً ويكون عادة مكوناً من اللحوم والهريس.

وأضاف أن وقت الجلوس في البرزة لتناول الطعام يكون في عيد الفطر قبل الظهيرة، بينما في عيد الأضحى يكون في المساء، وكان الأهالي في الذيد يتجمعون في وادي ويؤدون الرزيف، مع إطلاق النار في الهواء (نقع البارود) بينما البنات يؤدين النعشات ويستمررن بذلك إلى ما بعد صلاة المغرب، لافتا إلى انه في أحيان كثيرة كانت تقام استعراضات للهجن وسباقات استعراضية خفيفة للركاب، وينصبون المرجحانة في وسط الفريج، وهي ليست خاصة للأطفال وإنما أيضا للنساء وعادة ما تكون تحت شجرة كبيرة، وهذه المنطقة كانت لها خصوصية فلا يدخلها الرجال والغرباء.

وبين الطنيجي أن الفرق بين العيد في الماضي والحاضر كبير وشاسع فقد اقتصرت الآن مظاهر الفرح على الزيارات العائلية فقط وعلى الرسائل النصية والاتصالات، وتخلو كثيرا من معاني الفرح.

في ذات السياق يقول الدكتور خليفة بن دلموك المتخصص في مجال التراث ان العيد في الماضي يمتاز انه سهل بسيط، إلا انه جميل ومفرح، يبدأ العيد مع إطلالة الشمس حيث يتوافد الجميع الصغير والكبير والنساء والأطفال إلى مصلى العيد، وكان بسيطاً فقد كانت أرضه مفروشة بالتراب.

وما أن نصلي وينهي الخطيب موعظته، حتى يبدأ الجميع بالسلام على بعضهم سواء كان صغيرا أو كبيرا متبادلين «حب الخشوم» وتحية العيد: عساكم من عوادة، ويستمر طقس العيد في المعايدة على أهل البيت والجيران والفريج والأقارب القريبين منهم والذين تبعد ديارهم.

وأضاف أن أهالي الفريج ينصبون خيمة ويضعون فيها الطعام لمدة ثلاثة أيام يتناولونه معاً، وكانوا أيضا ينصبون (المرجحانة) في وسط الفريج، يلعبون عليها الأطفال طوال أيام العيد.

وقال راشد المحيان نائب رئيس المجلس البلدي في الذيد إن العيد في الماضي يختلف كثيراً عن العيد الآن، فقد كان العيد مناسبة يبتهج بها الكبار والصغار رغم قلة الموارد وضنك الحياة، لأن الناس كانت قلوبها متآلفة، وكانوا يتزاورون ويعرفون بعضهم جميعاً.

وهذا ما تفتقر إليه كثير من الفرجان في الوقت الراهن فقد اقتصرت الزيارات على الأقارب فقط وبعض الجيران، وكان أهل الفرجان في المنطقة الوسطى عموما يفطرون على رؤية هلال شوال وعند تعثر رؤيته في التاسع والعشرين من رمضان يكملون الثلاثين، وفي بعض الأحيان كانوا يفطرون في اليوم الثاني لثبوت رؤيته في الشارقة وكانوا يعرفون ذلك مع سماعهم صوت المدفع المبشر بقدوم العيد.

وأضاف انه بعد أن يزور أهل الفرجان بعضهم بعضا ويتناولون طعام الإفطار معا المكون من اللحوم في اغلب الأحيان، يتوجه الرجال إلى الحاكم للسلام عليه وتهنئته بقدوم العيد، وفي المساء كان بعض الأهالي يتوجهون إلى ساحة الرولة، التي كانت في ذلك الوقت ميدانا تقام فيه الأفراح والمناسبات السعيدة والأعياد، وتقام به العديد من الفعاليات منها المرجحانة وسباقات الخيل والركاب.

هزيم بن خليفة السويدي من سكان منطقة الخان في الشارقة قال إن أهل الفريج كانوا يتوجهون جميعا إلى صلاة العيد رجالا ونساء وأطفالا، وبعد صلاة العيد يقف الرجال صفين ويقومون بالسلام على بعضهم ويتوجهون إلى «الحضرة» بينما النساء تعد الوليمة، حيث تقوم كل واحدة بإعداد طعام، وقد يتجمع أكثر من امرأة لإعداد وليمة كبيرة، وبعد أن يتناول الرجال والنساء طعام الإفطار يتوجه الأطفال إلى البيوت للحصول على العيدية.

وبعد ذلك يتوجهون إلى منطقة السيف بالشارقة حيث توجد المرجحانة، ويمارسون العاب «الهشت» و«اقرع»، ومظاهر الفرح كانت على الجميع كبارا وصغارا، وهو ما تفتقر إليه الأعياد في الوقت الراهن، رغم الطفرة المادية، فكل المظاهر الحديثة للعيد، لا تضفي الفرح والسعادة التي كانت في الماضي لأن قلوب الناس كانت مختلفة، وكانت تفيض محبة ووداً لأهل الفريج والأسرة.

فراس العويسي