قال الشيخ: يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة نوح الآية رقم 10 وما بعدها (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً).

فالاستغفار هو طلب الرحمة والمغفرة لذنوب فيها ظلم للذات أو للآخرين بعد الاعتراف بارتكابها وضررها وافتئاتها، وبعد تحديدها ومعرفتها واكتشاف آثارها. والاستغفار هنا يشمل مع الاعتراف العزم على عدم معاودة الذنب وارتكابه، وهذا يعني تصحيحا لمسيرة الفرد أو الجماعة وربما كان تصحيحاً لمسيرة قوم أو أمة بل وحتى البشرية بكاملها، وفي الاستغفار نوع من التعبد والتقرب، وهو من أسباب الرزق ومفاتيحه، وإن لم يرق هذا لأصحاب العقول الاقتصادية المادية.

والمفتاح الثاني هو إصلاح العيوب، والعيوب هي حالات نفسية أو عقلية أو خلقية تمثل بؤرة الذنوب بعد انعكاسها على السلوك، فالعيوب أصل الذنوب وقد تكون هي نفسها ذنوباً كالإعجاب بالنفس والكبرياء والرياء، وواضح أنه لا يمكن التحول إلى العمل الصالح وثماره والتخفف من العمل الطالح وآثاره إلا بإصلاح العيوب وتزكية النفس وتجليتها وتطهيرها.

وتزكية النفس وتجليتها إنما يكونان بإنشاء الوعي السوي الصحيح بحياة الإنسان وقيمتها، وبما يؤول إليه هذا الوجود المحدود من وجود مطلق خالد، فللإنسان قصة وجود، ومبتدأ ومنتهى، وشباب وهرم، وولادة وموت، وعلى الإنسان أن يعيش هذه الحياة بأفضل جدوى وأنجع مردود لنفسه ولمن حوله وللبشرية أجمع، مع مقدار من اللذة يمتع ولا يؤذي ويسعد ولا يخرب.

فإذا علم الإنسان من هو وما هي قيمته ودوره في الحياة، وأنه إن كان اليوم قوياً شديداً فإنه غداً سيكون ضعيفاً ليناً، وأن أكثر أمور حياته ليست له سيطرة عليها، وأن ما يظن أنه قادر عليه كثيراً ما يخونه، عرف أن عليه أن يتأدب مع الله ومع خلقه... فالخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله.

والغريب في الأمر أننا في زمن العلم والإدارة حيث يكثر الحديث عن مفهوم الذات وتعديل السلوك وتغيير الشخصيات وتجنب الخسائر والمضرات، ومع ذلك فإن كل هذا لا يساعدنا في وضع النقاط على الحروف والشطب تحت العبارات المهمات، فنرى عيوبنا ونبررها بدلاً من أن نصلحها، ونشعر بذنوبنا ونفلسفها بدلاً من أن نقلع عنها، ولا نحدد لأنفسنا قيمة ولا دوراً ولا فلسفة لحياتنا.

بل نعيش في فوضى غريبة وعشوائية عجيبة تمضي في ظلها الأيام دون أن ندري. ونعود إلى ما كان سبباً في حديثنا هذا، فالعالم اليوم على أبواب المجاعات لأننا لم نحسن فهم دورنا في هذه الحياة، وتعاملنا مع الناس بل وحتى مع الموارد الطبيعية بأنانية مريضة، وبإدعاء بأننا نحن الأذكى والأقوى والأقدر والأمهر، لقد قدمنا جميعاً حياتنا على آخرتنا، وأيامنا القريبة على البعيدة.

ولذاتنا الحسية على سعادتنا الروحية، وتخمتنا المبالغ فيها على حاجات غيرنا من سكان الأرض، فلم نصغ لدين أو لفلسفة ولم نستمع إلا لفحيح الشهوات وجعجعة الهوى فإذا بنا وقد وصلنا إلى حافة الهاوية وشفير السقوط.

لقد قام اقتصادنا خلال العقود الأخيرة على الربا الواضح المباشر، فإن لم يكن فالربا المقنع تحت مئة اسم واسم، ثم إننا قد سلمنا أنفسنا للمؤسسات الربوية العالمية لتملي علينا شروطاً تغني قلة من الأثرياء وتفقر وتجيع كثرة من الفقراء.

ماهر سقا أميني