مع كثرة انشغال الناس وزحمة أولوياتهم باتت الأعياد الأوقات الوحيدة التي تجمع العائلات، لكن حتى تلك المناسبات أصبحت مهددة هي الأخرى في ظل طغيان الوسائل التكنولوجية على النمط المعيشي، فأصبحت التهنئة بـ (المسجات) عبر (الموبايل) بديلاً عن الزيارات وصلة الأرحام مما أفقد العلاقات الاجتماعية ألقها وأوقعها في جمود حذر منه الباحثون الاجتماعيون.

يوسف محمد موظف يقول: تكثر زيارات الأقارب في العيد وهو فرصة للتزاور ولقاء الأهل في جو من المحبة والألفة بين أفراد العائلة الواحدة التي تستغل مثل هذه المناسبات للتواصل فيما بينها والاطمئنان على أحوال بعضهم بعضاً، غير أننا في هذه الأيام نفتقد بعضاً من أجواء هذه الزيارات العائلية لدخول التقنية على خط العلاقات الاجتماعية، واستطاعت الرسائل الالكترونية الحد من العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين العائلة الواحدة والأصدقاء.

ويضيف يوسف إلى الآن وأنا أذكر تلك الأيام التي كان يأخذنا فيها والدي إلى منزل عمي الكبير ونتجمع نحن الصغار في بيته ونلعب ونشعر بالفرح والسعادة إلا أن العلاقات الاجتماعية اليوم تأثرت بالثقافات الدخيلة على المجتمع الإماراتي وتعدد الجنسيات بات واضحاً، وللأسف كنا نسمع عن أناس لا يتذكرون أهاليهم إلا في المناسبات، أما اليوم فهناك بعض الناس من يمر عليه العيد والعيدان ولا يرى إخوته وأهله.

أما علي النابودة (موظف) فيرى أن العلاقات الاجتماعية تدفع ضريبة باهظة نتيجة التقدم التكنولوجي الذي تمر به المجتمعات، فعلى الرغم من الإيجابيات العديدة ل(الموبايلات) إلا أنها أصبحت الوسيلة البديلة لدى البعض عن الزيارات العائلية، وكنا في السابق نتخوف من انتشار المكالمات الصوتية في التواصل بين الأهل والأصدقاء أما الآن فحتى سماع الصوت نفتقده وحلت مكان المكالمات الرسائل النصية (المسجات) ولا ندري إلى أين نحن سائرون في علاقاتنا الاجتماعية.

ومن وجهة نظر النابودة فإن هناك عوامل ساعدت على ضعف التواصل والزيارات بين العائلات وأهمها الازدحام المروري الذي يحول بين ازدياد التقارب بين كثير من الناس ويفضل البعض الجلوس في البيت على أن يقضي ساعات في الطريق لزيارة أحد الأقارب، كما أن كبر المدن واتساعها وتوزع الأقارب في السكن وتباعدهم عن بعضهم ساهم في التقليل من صلة الأرحام.

ويرى النابودة أن فكرة سكن الأقارب في حي واحد تساهم في جمع الأهل والأقارب وستزيد الروابط الاجتماعية ولا يغفل النابودة عن ذكر أن (مجلس الجد) أو كبير العائلة الذي ـ حسب رأيه ـ نفتقده لدى كثير من العائلات يلعب دوراً مهماً في لم شمل العائلة والاطلاع على أحوال بعضهم بعضاً.

ويضيف النابودة أن قطع الأرحام يورث قسوة القلب ويجعل الأخ لا يشعر بأخيه فكيف ستعرف أن أخاك يزعجه أمر، ما لم تر ذلك في وجهه وعلى محياه؟ وكيف ستساعد أخاك وأنت لا تدري عنه شيئاً؟ وربما سافر ورجع ومرض وخرج من المستشفى ولم تزره.

أما محمد سالم فيرى أن المجتمع الإماراتي يتميز بقوة الروابط والوشائج بين أبنائه وتكثر الزيارات العائلية وخصوصاً في المناسبات والأعياد حيث يلتقي الأهل في أجواء أسرية جميلة.

ويضيف سالم في العيد يزور الصغار الكبار ويتجمعون في بيت كبير العائلة وتبدأ الزيارات بعد صلاة العيد ويطمئنون على بعضهم بعضاً ويتعرفون على أحوالهم مما يزيد الألفة والمودة بين العائلة الواحدة، لكن في هذه الأيام بدأ الناس يسافرون إلى خارج البلاد في العيد مما يحرم بعض العائلات فرصة الزيارات والاطمئنان على أحوال بعضهم.

ويذكر الشيخ علي سلمان الحمادي واعظ بدائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالشارقة أن رمضان والعيد من الأزمنة الفاضلة، والمواسم المباركة، التي تتأكد فيها الأعمال الصالحة ويضاعف أجرها على غيرها من الأيام، وإن من الأعمال العظيمة التي حث عليها الإسلام، وأولاها عناية واهتماماً صلة الأرحام فجاء الأمر برعاية حقها بعد توحيد الله وبر الوالدين قال جل وعلا: (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى).

ويضيف الشيخ علي: إن الله يبقي أثر واصل الرحم طويلاً، فلا يضمحل سريعاً أثر قاطع الرحم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله للرحم: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك) متفق عليه.

ويوضح الشيخ علي أن صلة الرحم سبب من أسباب سعة الرزق وطول العمر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه، فحري بكل مؤمن أن يصل رحمه ويزور أهله في مثل هذه الأيام المباركة، وإن أقل القليل أن يصل المرء أهله ولو بالسلام عليهم كما قال عليه الصلاة والسلام: (بلوا أرحامكم ولو بالسلام).

ويذكر إدريس ملكاوي باحث اجتماعي أن انشغال الناس وكثرة أعمالهم وزحمة أولوياتهم كلها أمور حالت بينهم وبين التواصل الاجتماعي، وأمسى كل واحد منهم مشغولاً بحاله وعائلته، ودائماً ما نسمع كلمة (أنا مشغول) للتبرير عن غيابه الاجتماعي أو قيامه بأي دور أو مسؤولية اجتماعية عامة.

ويضيف ملكاوي أن كثرة الأعمال، أو زحمة الأولويات يجب ألا تحول بيننا وبين التواصل الاجتماعي مع الناس، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يمكنه الاستغناء عن التواصل مع بني جنسه، وإلا أصيب الإنسان بأمراض نفسية واجتماعية نتيجة ابتعاده عن المحيط الاجتماعي ويقول ملكاوي: لقد أصبح مرض القطيعة والعزلة عن الناس من الأمراض الاجتماعية الآخذة بالانتشار، وهذا ما ينبغي الانتباه إليه، فهذا المرض إن استفحل سيؤدي إلى أضرار كبيرة في بنية المجتمع وقوته.

ويوضح ملكاوي أن التزاور بين الناس من أهم وسائل التواصل الاجتماعي، ففيه إثراء للمعارف العقلية، كما أن من التزاور بين الأهل يطلعهم على أحوال بعضهم فربما كان أحدهم فقيراً أو محتاجاً للمساعدة فمن سمات المجتمع القوي والمتماسك التكافل الاجتماعي وهو ما يعني قيام المقتدرين مالياً بتقديم يد العون والمساعدة للضعفاء من الفقراء والأيتام والمرضى.

زاهر العلي