في غمار هذه الحياة قد يصادف الإنسان أشخاصاً غير راضين عن أنفسهم وعن أحوالهم رغم أنهم يعيشون مستورين في الصحة والولد والأهل والمال وإذا سألتهم عن سبب عدم رضاهم تجدهم يقولون لماذا لم نكن مثل فلان الذي عنده الملايين، وكأن الدنيا عندهم مال فقط، ولا شك أن هذه نظرة قاصرة تنم عن شخصية حسودة لا تحيا إلا في وسط أجواء من النكد.
ولكي تفرج عن نفسها تأتي لنفسها الحق في الخوض في أعراض الناس، بل إنهم يتفاخرون أمام زملائهم ورؤسائهم في العمل بطرح ما يشين الأبرياء ويجرح كرامتهم ويغض من شأنهم وينسي هؤلاء أن الملائكة تسجل عليهم كل ما يدور في مجالسهم. والشخص الذي يتمنى زوال النعم يعتبر آفة على نفسه وعلى المجتمع.
يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». والشخص غير الراضي عن وضعه وعن حياته رغم ما حباه الله هو شخص ضللته عن حقيقة الحياة ظلمات عدة، فهو محصور بالدنيا ومتاعها، مذهول عن الحياة الآخرة وما ينبغي لها من استعداد يجب على المرء أن يتأهب له.
وكان من الأجدر لهذه النوعية من الناس أن يحمدوا الله على ما هم عليه وإذا تعرض أحدهم لضائقة فليس أمامه غير اللجوء إلى خالق الخلق ومدبر الأمر ورازق الكل ويطلب منه لا من غيره بدلاً من أن يجلس ينعى حظه ويحسد الناس.
وعليه أن يعلم أن خزائن الحق سبحانه وتعالى ليست حكراً على واحد بعينه، وعليه أن يستأنف سعيه في الحياة وهو على يقين أن الله سيفرج كربه وسيعوضه خيراً ولعل ما عجز عنه في البداية قد يدركه ثانية بقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى مما كثر وألهى».
ويقول صلوات ربي وسلامه عليه: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرج في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في السخط.
ويقول الإمام علي رضي الله عنه وكرّم وجهه: تبلغ باليسير فكل شيء من الدنيا يؤول إلى انقضاء.
ويقول أيضاً: نعم القرين الرضا.
ويقول ابن الرومي:
إذا ما ساك الله سربال صحة
ولم تخل من قوت يحل ويغرب
فلا تغبطن المترفين فإنهم
على حسب ما يكسوهم الدهر يسلب
يقول د. عبدالرزاق نوفل بعد أن عاش فترة مع عرب الصحراء في إفريقيا: إن عرب الصحراء بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء والقدر، الأمر الذي جعلهم يواجهون مشاكل الحياة بإيمان راسخ أن كل شيء مكتوب ولا داعي للقلق جراء أي حادث يحدث لهم، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان وأخذ الحياة مأخذاً سهلاً هيناً، فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على أمر.
وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، ويضرب مثلاً فيقول هبّت عاصفة حارة شديدة الحرارة تأثرت بها كثيراً، لكن العرب لم يشكوا إطلاقاً فقد هزوا أكتافهم وقالوا: قضاء مكتوب، وما أن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فقال رئيس القبيلة في رضا وقناعة: لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خلقاء بأن نفقد كل شيء، ولكن الحمد لله على كل شيء وما بقي في استطاعتنا أن نبدأ به عملنا من جديد، وسبحان من أرضى العباد بما أراد.
حامد واكد
