«مقيوله .. البنت عديلة أمها..» «يا سلام يعني إنتي تتحنين حق العيد وأنا ما أتحنا».. «خلاص إنتي حطي ورده .. وأنا بسوي قصّه» .. حسمتا الأمر واتجهتا إلى أقرب صالون والبهجة تسبق الخطى وتقتل أوقات الانتظار.. بينما الطوابير في استطالة.. وجموع النساء تتهافت على الحناء مضحية بالصيام.. بينما عقارب الساعة تزحف ببطء يضع نقاط حروف آخر أيام الشهر الكريم.
الحناء .. «أيقونة الفرح» التي يتسلل حبها إلى قلوب الإناث.. فتيات ونسوة وعجائز.. هي مزيج من ذكريات الفرح والزينة المتوارثة في الأعياد والأعراس.. هي غيرة البنات وخلطتهن السحرية.. التي تبيت حمراء على أكف الفرح تحت مخدة الانتظار لكي تصبح سوداء.. فيباهين بها بعضهن.
لأن الفرحة لا تكتمل إلى بالنقوش التي كيفما حلت خلفت سرور العيد وبهجته.. ورائحته التي تستفيق بها الروح على عطور وأعشاب الطبيعة.. التي ذكرتها السنة النبوية الشريفة في مراجع الطب النبوي كعلاج للعديد من الأمراض الجلدية، والجروح وآلام الأعصاب.
في أواخر رمضان، تولد فرحة العيد، وتبدأ مظاهر الاستعداد لها على أوجه عدة، فتشرع الصالونات النسائية أبوابها من بواكير الصباح، «رشنا للحناء» تستقبل زبوناتها من السابعة صباحاً في اليومين الأخيرين من رمضان، تلبيةً لرغبات الزبائن.. واستعداداً لاستقبال العدد الأكبر منهن، لأن حناء العيد ضرورة يجب التعبير عنها لو اضطر الأمر للانتظار طويلاً والاستغناء عن وجبة الإفطار في المنزل .. من أجل عيون الحناء وفرحة العيد.
طبعاً لا يخفى على أحد الأسعار الخيالية التي تحددها صالونات الحناء، فهي تتجاوز ضعف الأسعار في الأيام العادية، مع جودة أقل نظراً لمحاولة الانتهاء من أكبر عدد من الزبونات في وقت قياسي، فنقوش اليد البسيطة أصبحت تفوق المئة درهم وتجاوز سعر حناء القدم المئة وعشرون درهم، والسقف مفتوح حسب حجم النقوش والوقت الذي يستغرقه رسمه.
وسعت بعض الصالونات النسائية مثل «صالون مدام حبيبة» إلى استقبال العيد بالمزيد من التنظيم، فبدأت بتوزيع الأرقام على زبوناتها حفاظاً على النظام، وتجنباً لأي نوع من الأخطاء التي تزعجهن، ولكن لا بد من التقصير، لأنها عادة النساء.. «لو سمحتي أنا يايه قبلها .. سوي حنا بسرعه.
عشان يفطر داخل بيت».. «أوكي مدام إجلس الحين نفر تاني خلص بعدين إنتي».. وتستمر «دوشة» الأحاديث و«السجالات» التي لا تنتهي إلا مع شروق شمس أول أيام العيد .. بينما تفضل بعض السيدات شراء الحناء ووضعها في المنزل، تفادياً لازدحام الصالونات، ورغبةً في استثمار الوقت في قضاء متطلبات العيد الأخرى.
والحناء التقليدية نقوش بسيطة يتم وضعها في باطن الكف، ولها مسميات عدة، مثل «القصّه» أو«الطرق» .. و«التيله» .. بالإضافة إلى حناء الأصابع أو «الروايب» .. والحناء الطبيعي لونه بني محمر، ويضاف إليه دهن الورد في حال الرغبة بلون بني غامق، أما اليوم فهذا الحناء تتداوله النسوة والعجائز، بينما الفتيات يفضلن النقوش والزخارف الهندية، والرسومات الأكثر حداثة، ويضعنه على الأكف والأيادي والأقدام.
الحناء .. فوائد وعلاج
تستقبل النساء العيد بالحناء في أشكاله المختلفة، فإلى جانب استخدام مسحوق الحناء المحضر من أوراق نبتة الحناء على اليدين والقدمين للزينة، بالإضافة إلى الفوائد العلاجية، وتختلف كيفية تحضيرها من منطقة إلى أخرى، بما يتناسب وأذواق النسوة، فهي شائعة الاستخدام في مناطق عدة كالخليج والمنطقة العربية، كلاً حسب موروثه التقليدي، وللحناء استعمالات متعددة، فالأوراق تستخدم للتجميل.
بحيث يخضب بمعجون أوراقها الأصابع والأقدام والشعر، للسيدات والرجال على السواء، وتلجأ بعض الفتيات إلى وضعه على الرأس كنوع من الصبغات، وتشير بعض الدراسات إلى أن الحناء إذا وضعت في الرأس لمدة طويلة فإن المواد القابضة والمطهرة الموجودة بها تعمل على تنقية فروة الرأس من الميكروبات والطفيليات، ومن الإفرازات الزائدة للدهون، كما تعد علاجا نافعا لقشر الشعر والتهاب فروة الرأس.
وتستعمل عجينة الحناء في علاج الصداع الناتج من ارتفاع حرارة الرأس بوضعها على الجبهة، كما أن التخضب بالحناء المحضرة بصورة طبيعية يفيد في علاج تشقق القدمين وعلاج الفطريات المختلفة. ولجأت بعض الصالونات النسائية إلى إضافة بعض المواد الصناعية إلى معجون الحناء، كالبترول وصبغات تزيد قتامة الحناء وتسرع من صبغته، فيفقد فوائده العلاجية ويعمل على تقشير البشرة والإضرار بالجلد الحساس.
علاج .. وشفاء
للأعشاب فوائد جمة واستخدامات علاجية كثيرة، وقد وردت في كتب الطب النبوي العديد من فوائد الحناء في كافة أشكاله وأجزائه، ويقول ابن القيم أن: (الحناء محلل نافع من حرق النار، وإذا مضغ نفع من قروح الفم والسلاق العارض فيه ويبرئ من القلاع والضماد به ينفع من الأورام الحارة الملتهبة وإذا ألزقت به الأظافر معجوناً حسنها ونفعها، وهو ينبت الشعر ويقويه وينفع من النفاطات والبثور العارضة في الساقين وسائر البدن).
أعشاب وعطور
للحناء رائحة عطرية جميلة، وتستخدم زهور الحنة في صناعة العطور المحضرة طبيعياً، إلى جانب بعض المستحضرات كالشامبو والصابون العطري وبعض الزيوت المستخدمة للجلد والشعر، وثبت أن استنشاق زهور الحناء ينشط الحواس وينعش القلب ويقوي الأعصاب. أما جذور الحناء المغلية والمنقوعة فتستخدم في المضمضة حيث تعمل على تقوية اللثة وتساعد على تماسك الأسنان، ويفضل استعمال معجون الحناء بالخل أو الليمون.
تاريخ وحضارة
عرفت الحضارات الحناء قديماً، ويعد الفراعنة أول من استخدمها في أغراض الزينة، إلى جانب استعمالات أخرى، إذ صنعوا من مسحوق أوراقها معجونة لتخضيب الأيدي وصباغة الشعر وعلاج الجروح، كما وجد كثير من المومياء الفرعونية مخضبة بالحناء، واتخذوا عطراً من أزهارها.
وللحناء نوع من القداسة عند كثير من الشعوب الإسلامية والعربية والخليجية بالذات، إذ درج استعمالها في التجميل بفضل صفاتها فتخضب بمعجونها الأيدي والأقدام والشعر، كما يفرشون بها القبور تحت موتاهم. وتستعمل في دباغة الجلود والصوف ويمتاز صبغها بالنبات.
أمل الفلاسي
