الرحمة هي أول واجب إنساني نحو الضعفاء من اليتامى والأطفال والعجزة والنساء والفقراء والخدم والمظلومين التي تتمثل في الرفق بهؤلاء والحنو عليهم والمساهمة الفعالة في تخفيف آلامهم ودفع ما ينزل بهم من ضرر وجور ومحاولة الترفيه عنهم بكل وسيلة ممكنة.
وهذا هو ما فرضه الإسلام وجعله سبيلاً إلى رضوان الله ومحبته فالله يرحم من عباده الرحماء. فإذا تحجرت القلوب وغلظت الأكباد وتنكرت للقيام بهذا الواجب الإنساني كان ذلك إيذاناً بأن هؤلاء القساة ليسوا أهلاً لأن ينتظموا في سلك السعداء.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تنزع الرحمة إلا من شقى) ويقول: (ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصريين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون). فقد عنى الإسلام بشأن هؤلاء، ومن حق الإنسان أن تصان كرامته ويأخذ حقه كاملاً غير منقوص.
والمجتمع الصالح لابد له من رعاية أمثال هؤلاء لأنهم قوة بشرية يمكن الانتفاع بها لو أحسنت رعايتها ووجهت الوجهة الصالحة لاستخراج ما فيها من قوى وطاقات. ولأن رعاية هؤلاء تقي المجتمع من أن يتعرض للهزات التي تؤثر في كيانه وتقيه شر التمرد عليه. قال تعالى في توريث اليتامى وإعطائهم أموالهم: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيراً).
واعتبر الاعتداء على مال اليتيم جريمة من أكبر الجرائم فقال سبحانه وتعالى: « إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً». بل إن الإسلام اعتبر إهانة اليتيم وترك الحض على طعام المسكين ومنع معاونة من يحتاج إلى المعاونة كفراً وتكذيباً بالدين.
ويقول صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا وأشار بأصبعه السبابة والوسطى». والإسلام في الواقع بعد أن رفع عنهم الظلم وأنزلهم المنزلة اللائقة بهم فقد جعل لمن لا مال له حقاً في مال الغنى فقال: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم).
وهذا الحق الذي أوجبه الله تعالى للمحتاجين في مال الأغنياء إنما يقدر بقدر كفايتهم من القوت والملبس والمسكن وسائر الحاجات الضرورية التي لا يستغنى عنها الإنسان ليعيش. ففي الحديث عن علي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً).
وقد كان من آثار هذه التعاليم أن شعر الضعفاء بأن يدا حانية تمسح آلامهم فأحبوا مجتمعهم وأخلصوا له ووثقوا به وانفتح أمامهم باب الأمل والعمل فظفروا بما يبتغون دون أن يعوقهم معوق أو يصرفهم عن أهدافهم صارف. وأي مجتمع تتوافر فيه هذه المبادئ الكريمة يكون أهنأ المجتمعات وأقربها إلى السعادة وأحقها بالسيادة والقيادة.
رجاء علي