أكد د.أحمد الطيب - رئيس جامعة الأزهر أن التفاصيل الحياتية داخل المجتمعات الإسلامية خلال شهر رمضان تتعارض مع فلسفة الصوم بل تفرغه من مضمونه، مشيرا إلى أن الشهر الكريم ارتبط خلال مراحل التاريخ الإسلامي بالانتصارات، وليس مشاهدة الفضائيات، وأشار الطيب إلى طوفان الفتاوى التي تسيطر على الفضائيات، مطالبا بضرورة التصدي لها من خلال عدد من المحاور. وأوضح خلال حواره معنا حقيقة العلاقة بين الإسلام والغرب فإلى التفاصيل..

ما الفلسفة التي تقوم عليها فريضة الصوم؟

الصوم يقوم على فلسفة الترك والاعتلاء وعدم الاحتياج فالحياة مليئة بالمغريات والآثام والشرور، والإنسان لابد أن يكون قادراً على التمييز بين الخبيث والطيب، والصوم هو الذي يغذي هذه الملكة في الإنسان باعتبار أن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لا تنطلق من فعل، وإنما من عدم، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى أضاف الصوم إلى نفسه حيث قال في حديثه القدسي (الصوم لي وأنا أجزي به)، وقد أكد العلماء أن هذه الإضافة الإلهية جاءت لأمرين، الأول: لأنه تشبه بالله تعالى في الترك وعدم الاحتياج، والثاني: إن الصوم لا تتسلل إليه رذيلة المراءاة والنفاق، فأي فرد يستطيع أن يرائي بأي عبادة أخرى إلا الصوم.

فلسفة الصوم

كيف يكون سلوك المسلم الصحيح في شهر رمضان؟

رمضان شهر العبادة والقرآن وإحياء نوازع الخير وتنشيطها وهو فرصة يجب أن يستثمرها المسلم في شغل وقته بما يفيده في دنياه وآخرته، وإن كان هذا لا يمنع من الترويح عن النفس بعض الوقت من خلال مشاهدة البرامج الجادة أو الأفلام البريئة البعيدة عن وسائل الإثارة وتدمير الأخلاق، وهذا ما يتفق مع فلسفة الشهر الكريم التي تهدف إلى تربية وجدان المسلم وتعويده على حرمان النفس وضبطها ومنها ما لا فائدة منه.

هذا عن المسلمين بصفة عامة، فماذا عن الصالحين؟

سلوك الصالحين في رمضان يتميز عن سلوك المسلم العادي بعدة مظاهر أهمها القدرة على ضبط النفس واحترام الآخر والصبر عليه حتى لو كان في هذا الآخر شيء من الجرأة أو الاجتراء، وهو ما يقابله الصائمون الصالحون بكثير من حسن الخلق والاحترام.

كما يتميز الصالحون في صومهم بعدم إظهار التعب من الصوم والشكوى منه كما أنهم لا يفعلون مثل ما يفعله البعض عندما تثبت الرؤية ويتغيرون داخلهم لأنهم سيحرمون من الأكل والشرب وخلافه، فالصالحون - على العكس تماما - يفرحون بقدوم هذا الشهر ويلقونه كما يلاقون حبيبا.

صوم القلب والفكر

وهل صيام الصالحين يدخل ضمن ما يسمى ب(صوم الخواص)؟

بالطبع.. فصوم الخواص هو صوم القلب والفكر عن أي شيء سوى الله عز وجل وعدم الانشغال بأي أمر سوى العبادة والتقرب منه سبحانه وتعالى وهذه مرتبة عالية من الصوم تختلف عما يسمى بـ (صوم العوام) أو (صوم الجوارح) الذي يعني ابتعاد المسلم عن المحرمات وأن يمسك لسانه عن الغيبة والنميمة.

من الناحية الواقعية.. ما الذي يؤخذ على المجتمعات الإسلامية في شهر رمضان؟

للأسف الشديد، لقد تركنا العمل بفلسفة الصيام القائمة على الترك وعدم الاحتياج وقمنا بتحويله إلى شهر للتبذير والإسراف والابتعاد عن العبادات، وبدلا من أن يصبح رمضان شهراً للتخفيف والتقليل من ملذات الحياة، أصبح شهراً للتخمة والنوم، وهذه كلها سلوكيات كفيلة بهدم القيم الروحانية المبتغاة من هذا الشهر الكريم.

ما دلالة ارتباط شهر رمضان بانتصارات المسلمين عبر مراحل التاريخ؟

مقومات النصر تقوم على الاعتلاء والصبر والقوة، وهذه المقومات هي نفسها مقومات الصوم لذلك إذا قاتل الصائم لابد أن يكون منتصراً.

من وجهة نظرك كيف تنظر إلى طوفان الفتاوى الدينية الذي يسيطر على الفضائيات؟

فوضى الفتاوى من أخطر المشاكل التي تواجه مجتمعاتنا الإسلامية، ولابد من التصدي لها من خلال التحرك على أكثر من صعيد أهمها، توعية المسلمين بخطورة هذه الفتاوى من خلال إعداد برامج تقوم بهذه المهمة.

إضافة إلى سن تشريعات حاسمة لتجريم من يقصدون للإفتاء دون أن يكونوا مؤهلين لذلك، فضلا عن ضرورة أن تكون هناك جهة واحدة للإفتاء الرسمي، كما يجب البدء في إنشاء قناة فضائية تابعة للأزهر تقوم بالتصدي لسموم الفضائيات، وإصدار الفتاوى السليمة التي لا تتعارض مع تعاليم الإسلام وتتماشى في نفس الوقت مع معطيات العصر الذي نعيشه.

هناك معطيات علمية حديثة فرضت نفسها على الساحة العالمية في السنوات الأخيرة، كيف يمكن إصدار فتاوى دينية تأخذ في الاعتبار هذه المعطيات الجديدة ولا تتناقض مع ثوابت الدين الإسلامي؟

المكتشفات العلمية الأخيرة فرضت على علماء المسلمين طريقا لا بديل له وهو بذل الجهد لبيان موقف الإسلام من هذه المكتشفات العلمية وغيرها من القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت نتيجة لهذه المكتشفات، وهذا لن يتحقق إلا من خلال الاجتهاد الفقهي الذي يتلاءم بين الدين والحياة مع الالتزام بأحكام الدين الإسلامي الحنيف.

ولكن ألا تعتقد أن هذه المعطيات الحياتية الجديدة تستلزم بالضرورة تجديدا في الخطاب الديني وبالتالي دعاة متميزين؟

بالطبع.. وهذا ما تقوم به جامعة الأزهر من خلال تأهيل الدارسين لينهضوا بالدعوة الصحيحة، والرد على جميع الشبهات التي تثار ضد الإسلام، وهذا يتواكب مع ربطهم بالتراث الإسلامي الذي يعمل على بناء إنسان قادر على استيعاب الحقائق وفهمها دون صدام مع أحكام الشريعة الإسلامية مع الاعتراف بالآخر متى وإن اختلفنا معه.

على خلفية ذكرك لـ «الآخر».. كيف ترى علاقة الإسلام بالحضارات الأخرى؟

التاريخ يؤكد أن السلم والتعاون والتكامل وليس الصراع كان من أسس وقواعد تعامل الحضارة الإسلامية مع الحضارات الأخرى.

الإسلام والغرب

قال الدكتور أحمد الطيب إن العلاقة بين الحضارتين الإسلامية والغربية تأثرت سلبا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، خاصة ان المساحة بين الإسلام والغرب ما زالت شاسعة، وهذا ما يلقى مسؤولية كبرى على عاتق رجال الدين الإسلامي حيث يجب عليهم التأكيد على أن الإرهاب المنسوب للإسلام يضر المسلمين كما يضر غيرهم، وأن الأخوة والتواصل قيم إسلامية أصيلة في التعامل مع الآخر الذي أمرنا الإسلام بالاعتراف به.

القاهرة- دار الإعلام العربية