كانت الهوية الوطنية محور اهتمام ونقاش الحاضرين بمجلس سالم بن حم الرمضاني، على اعتبار أنها واحدة من القضايا الهامة التي تهم المجتمع الإماراتي، مثمنين جهود الدولة باعتماد عام 2008 عاما للهوية الوطنية، وتعزيز الهوية الثقافية والاجتماعية التي عرفت بها دولة الإمارات عبر تاريخها.
وطالب المجلس الرمضاني بتأسيس هيئة متخصصة في شؤون الهوية الوطنية تتولى مهمة وضع استراتيجية واضحة لتعزيز الهوية وأولويات العمل الوطني في هذا الاتجاه، ومؤازرة جهود الوزارات والهيئات الحكومية والخاصة في مجال حماية الهوية ووضع هذا الهدف في مقدمة أولويات العمل الوطني، وخلق حوار مجتمعي ثري حول الهوية.
وقال سالم بن حم أن الدولة لها ثوابت ومقومات حضارية يحرص الجميع المحافظة عليها والاعتزاز بها، وأن القيادة الرشيدة واعية تماما لجميع التحديات التي تواجه الهوية الوطنية، وتعمل بإصرار وتفان على تهيئة كل الظروف والسياسات التي تسهم في إثراء العناصر الاجتماعية والثقافية الأصيلة للمجتمع الإماراتي.
واعتبر بن حم أن وجود العدد الكبير من الجنسيات والأعراق والثقافات في الدولة هو بسبب تزايد نسبة العمالة الأجنبية، مشيرا إلى أن الدولة تضع ملف العمالة في موقع متقدم من أولوياتها وتعتمد مبدأ الانفتاح والتسامح وسيادة القانون في تعاملها في هذا الجانب.
وأضاف: أن الأجندة الرسمية للإمارات تعتبر هذه العمالة عنصرا فاعلا يسهم في البناء ويشاركنا العيش، وينبغي أن يوظف كمصدر إثراء لشخصيتنا الوطنية من خلال التفاعل الواعي مع الآخر واحترام موروثه الشعبي دون المساس بثوابتنا ومعتقداتنا.
أهمية التعليم
وأكد بن حم على أهمية التعليم في الحفاظ على الهوية الوطنية وقال ان التعليم له دوره المحوري في حماية الهوية الوطنية، وأصبح من أولويات النهضة الوطنية، وأن مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية هما أساس حماية الهوية، ولذلك يجب تكثيف تدريسهما في المدارس سواء كانت خاصة أو حكومية، لافتا إلى أن الهوية الوطنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأي مجتمع.
وإن محددات التنمية ومشاريع الاستثمار الكبرى تلعب دورا رئيسيا في طرح هذه القضية للنقاش العام الذي تعيشه الدولة حاليا، وأضاف أن وسائل الإعلام لها دورها المحوري في مجال تعزيز الهوية، لاسيما في ضوء ثورة المعلومات والسماوات المفتوحة، ولكن بعضها للأسف لا يقوم بالدور المطلوب في تعزيز الهوية بسبب سعيها للربح على حساب أي اعتبارات أخرى.
ويشير مسلم بن حم عضو المجلس الاستشاري لإمارة أبوظبي إلى أن للتراث قيمة كبيرة في حياة شعب الإمارات، ويلعب دورا مهما في بلورة ذاكرة الهوية الوطنية ورسم ملامحها، وتحقيق التوازن المطلوب بين التطور المتسارع الذي تشهده الدولة وبين الحفاظ على ملامح الشخصية الوطنية.
مؤكدا على أن أبناء الإمارات حريصون على تراثهم وهو بالتالي يثري حياتهم في كافة المجالات، وتطرق مسلم بن حم الى الدور الكبير للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه في الحفاظ على الهوية الوطنية من خلال اهتمامه الواضح بالتراث والموروث الشعبي للدولة، وتناول الشيخ زايد رحمه الله هذا الجانب في كثير من المناسبات.
وقال: المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، بنى للتراث سياجا يحميه من التحولات ويعزز الارتباط بالعادات والتقاليد الأصيلة، وهذا النهج الواعي يتواصل مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة «حفظه الله» وأخيه صاحب السمو محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
وإخوانهم أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، الذين يحرصون على تقديم كل الدعم للموروث الشعبي، ولذلك نجحت الإمارات في تقديم صورة فريدة تجمع بين التقدم الحضاري والمحافظة على التقاليد، ولاستمرار هذا النجاح يجب على جميع المواطنين التمسك بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة في ظل التحديات الثقافية والاجتماعية المتعاظمة.
الانفتاح الإعلامي
ونوه مسلم بن حم إلى الانفتاح الذي يعيشه العالم من خلال الطفرة الإعلامية ممثلة بالقنوات الفضائية والانترنت والتي حولت العالم إلى قرية صغيرة، محذرا من الرسائل التي تحملها تلك القنوات الفضائية وضرورة توخي الحذر من المضامين التي تتعارض وقيمنا ومبادئنا وتمس بشكل مباشر الهوية الوطنية وتمارس من أجل تحقيق أهدافها طرق .
وخطط مدروسة تهدف بالدرجة الأولى أطفالنا الذين يجب علينا أن نعمل على تعزيز الهوية الوطنية في شخصية الأطفال والنشء منذ الصغر والحرص على نقل العادات والتقاليد إلى الأجيال الجديدة، هو اكبر الضمانات وخط الدفاع الأول في مواجهة تلك التحديات.
ولفت مسلم بن حم إلى أن هناك أموراً أخرى يجب وضعها في مقدمة أولويات العمل الوطني ومن شأنها حماية الهوية وتتمثل في السلوكيات الإنسانية الأصيلة التي عرف بها مجتمع الإمارات عبر تاريخه، والتي بدأ البعض في تجاهلها وعدم الاهتمام بها رغم أهميتها، وتمثل تلك السلوكيات مجمل السلوك الاجتماعي في المجتمع مثل: كيفية التحدث وآداب المجالس والعلاقات بين أفراده.
وأكد الدكتور محمد مسلم على أن التعليم المتميز والإعلام الهادف هما القادران على ربط الجيل الجديد بثقافة بلاده الأصيلة وأن الهوية قضية مجتمعية من المستوى الأول، لذلك فان مسؤولية حمايتها تقع على الجميع، الحكومة والأفراد والمثقفين والمؤسسات الأهلية والقطاع الخاص ووسائل الإعلام، وكل فرد يعيش على تلك الأرض.
ويجب أن يكون الخطاب الإعلامي الخاص بالهوية الوطنية مدروسا بحيث لا يؤدي إلى نتائج عكسية، بمعنى أن هذا الخطاب يجب أن يرتكز على أسس علمية سليمة ويتم بطريقة مدروسة تقنع المواطن وتدفعه إلى التمسك بعادات وتقاليد وتراث بلاده، لأن التكرار فقط دون رؤية واضحة يجعل المواطن يزهد في المضمون المقدم وينصرف عنه.
الهوية الوطنية تتطلب سياسات متكاملة للتوعية
وكذلك.. فان تحقيق هذا الهدف يتطلب سياسات متكاملة لتوعية جميع المواطنين بأهمية ذلك في ضوء التحولات الاقتصادية والثقافية التي تشهدها الإمارات وتمثل تحديا بالغا للهوية الوطنية، لذلك يجب التركيز على الخطاب التعليمي والديني والاجتماعي، أي الإعلام والتعليم بصفة خاصة.
فالأول يجب عليه وضع برامج متميزة للتوعية بمخاطر فقدان الهوية وجذب الجمهور للمحتوى الثقافي المحلي الأصيل، أما في التعليم فيجب التركيز على تطوير المناهج الدراسية القادرة على تعزيز قيم الهوية لدى الأطفال والنشء. وتطعيم تلك المناهج بالتوجهات الثقافية الوطنية، وتطبيق أساليب غير تقليدية تتوافق معهم في ما يخص قيم المواطنة والهوية بهدف تحصينهم منذ الصغر ضد مخاطر فقدان الهوية ويغرس في نفوسهم حب الوطن وعاداته وتقاليده، ومن المهم أيضا الاهتمام باللغة العربية وتكثيف عملية التوطين في مجال التدريس، لضمان تنفيذ أجندة الهوية الوطنية.
واتفق الحاضرون على أن التطور لا يعني التخلي عن الهوية الوطنية التي تعد مصدر فخر للجميع، وعلى الرغم من مواكبة الدولة للتطور في جميع المجالات إلا أنها قامت ببذل جهودها ومساعيها في تعزيز الهوية والوطنية وغرس قيمها في نفوس الأبناء، ويعتقد بعض الذين حضروا مجلس بن حم الرمضاني أن الانفتاح أدى إلى قبول المجتمع لبعض العادات والمظاهر الجديدة التي كانت مرفوضة من قبل.
وأصبح الناس تتقبلها لتجاري التطور الحاصل في الدولة، مما افقد المجتمع بعض العادات والتقاليد والمظاهر التراثية الأصيلة، وتلك سنة الحياة، ففي الوقت الذي أصبحت فيه الإمارات في مصاف الدول المتقدمة، إلا أن ذلك كان على حسب بعض من العادات والتقاليد التي وصفوها بالجميلة.
مؤكدين في الوقت ذاته على أن الهوية الوطنية تحتاج إلى تضافر الجهود لحمياتها وصونها وترسيخها جيلا بعد جيل، ويأتي على رأس قائمة التضافر الأسرة التي لوحظ أن دورها الذي كانت تقوم به سابقا من توجيه وتعليم وتصحيح للمفاهيم الخاطئة والرقابة المباشرة والرعاية.
أصبحت تقتصر على توفير الاحتياجات للأبناء وهذا بكل تأكيد له نتائجه السلبية والتي تظهر في سلوكيات الأبناء ومدى ارتباطهم واعتزازهم بهويتهم الوطنية، لذلك لابد أن تعي الأسرة دورها الفعلي وواجباتها المنوطة بها تجاه الأبناء، الذين بحاجة إلى رعايتهم ومتابعتهم وغرس المفاهيم والقيم الأصيلة في نفوسهم من ثم توفير احتياجاتهم المادية.
ضرورة :محمد مسلم: لا للتراجع
العمالة الوافدة في الإمارات نسبتها كبيرة، وهذا أمر واقع، والدولة تبذل جهودها في سبيل التوطين، لكن الضرورة تقتضي استقدام ملايين العمال لسد النقص الناتج عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتواصلة، فذلك خيار استراتيجي للدولة لا مجال للتراجع عنه لأنه يحقق مصلحة المجتمع، مؤكدا على أن تأثير العمالة على الهوية يبقى محدودا طالما أن المواطنين حريصون على هويتهم، وهو ما يحدث بالفعل على ارض الواقع.
سليم المستكا


