تعالوا لنسمع منه حكمة الله في كل مشهد وما قضاه فيه مما يغيب عن البشر، وكشفه للرجل الصالح ليضرب مثلا يذكره القرآن:

1- (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردت أن أعيبها، وكان وراءهم ملِكٌ يأخذ كل سفينة غصبا). أي علم الرجل من الله تكليفا أن ملِكا غاصباً سيمر ويأخذ كل سفينة في طريقه، فأمره الله بتعطيل هذه السفينة حتى لا يقف عندها الظالم، ويكون خرقها حينئذ سببا في حفظها لهم. فهل لو عرفوا سبب الخرق أما رأوا فيه نعمة من الله عز وجل، وهى أيضا نعم المكافأة من الرجل الصالح لهم على عدم أخذ أجرة توصيله؟

2- (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رُحما) هو غلام عاق عرف الله كفره، وأبواه مؤمنان، فأخذه الله لفساده وأراد أن يبدلهما غلاما صالحا يكون بارا بهما وزخرا لهما.. أرأيت أن ما تراه ضررا أو بلاءً هو في حقيقته رحمة من الله ليريحك أو ليردك إليه؟؟

3- (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنزٌ لهما، وكان أبوهما صالحا، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك).. قل لي بربك؟ قرية ليس فيها ذرة خير لاستضافة رجلين غرباء، لو سقط الجدار وظهر الكنز المدفون تحته، أكانوا يتركونه للغلامين اليتيمين حتى يكبرا؟ أم أن الحكمة الإلهية اقتضت بإقامة الجدار حماية مال اليتيمين من هذه القرية الظالمة، وليست مكرمة لهم؟

ثم قال الرجل الصالح لنبي الله موسى (وما فعلته عن أمري.. ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا).

أرأيت لماذا يدعونا المولى عز وجل إلى تدبر القرآن والتأمل فيه والاعتبار بقصصه.. كم تمر علينا أمور أهون بكثير مما فعل الرجل الصالح مع موسى.. وعقلنا لا يستوعبها حتى يقع أحدنا في ألفاظ ربما تخرج به عن عقيدته لو فهمها وقصدها كقول بعضهم (يعطي الحلق للي بلا ودان أو يعطي التفاحة للي بلا ضروس..) تعالى سبحانه عن ذلك علوا كبيرا فهو الحكيم الخبير البصير المعطي المانع المعز المذل.

ولو سلمنا لربنا وآمنا بأنه لا يحدث في كونه إلا ما يريده بحكمته، وأنه أرحم بنا من الأم بولدها لأدركنا بعين اليقين أنه حقا: لو كٌشف الغطاء لرأينا أن المنع هو عين العطاء.. ولأدركنا معنى وصف المتقين في أول سورة البقرة بأنهم هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة.. حينذاك تطمئن قلوبنا.

وتطيب حياتنا بالتسليم لله، ولا يندم الإنسان إلا على تقصير حدث منه، أو عدم أخذ بالأسباب أو الانحراف عن طريق الحلال.. أما إذا قام بواجبه وأتت النتائج على غير مراده، فليعلم أن سعيه ما ضاع سُدى وأن الله سيعوضه من باب آخر أعظم وأوسع لأنه قال (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) (آية 15 تبارك).

مصطفى عبدالعال أبوزيد - المستشار التربوي لبرنامج «وطني»