خلالها العبد من كل أمور الدنيا متقربا إلى الله وذلك لتحقيق أكبر قدر من التواصل مع الله سبحانه وتعالى، وتتأكد أهمية هذه الفضيلة في شهر رمضان حيث يسعى كل إنسان إلى فطام نفسه عن المعاصي، والتخلص من الذنوب والصفات السيئة.
بداية يقول د.أحمد طه ريان - أستاذ الفقه بجامعة الأزهر إن المقصود بالاعتكاف هو انقطاع الشخص لعبادة الله، والاجتهاد في تحصيل الثواب والأجر، والابتعاد عن الناس، مشيرا إلى أن الاعتكاف أمر مشروع وفق ما جاء بالقرآن والسنة وكذلك إجماع العلماء؛ فالله تعالى يقول في كتابه الكريم «ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد{.
وكذلك قوله تعالى «وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود{، وفي السنة تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده».
ويوضح ريان أن كثيرا من العلماء أكدوا سنة الاعتكاف في رمضان، استنادا إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما».
وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف العشر الأواخر من شوال»، وكذلك قولها «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله»، وقولها أيضاً «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره».
وعن ثواب الاعتكاف يشير ريان إلى أنه وسيلة للتقرب لله تعالى والانقطاع لعبادته وهو ما يعود بالخير على المعتكف، حيث جاءت أحاديث كثيرة ترغب في التقرب لسبحانه وتعالى من خلال نوافل العبادات ومنها الاعتكاف؛ ففي الحديث القدسي «وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه».
كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من اعتكف إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من اعتكف عشرا في رمضان كان كحجتين وعمرتين». ويضيف د.أحمد الطيب - رئيس جامعة الأزهر أن الاعتكاف مسنون في أي وقت، فللمسلم أن يبدأ الاعتكاف في أي وقت وأن ينهيه متى يشاء إلا أن الأفضل أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فإذا صلى الفجر يوم الحادي والعشرين من رمضان دخل المعتكف ومكث في المسجد حتى خروجه إلى صلاة العيد.
وهذا هو المستحب حيث يلتمس خلال هذه الأيام ليلة القدر التي تكون على الأرجح في العشر الأواخر من رمضان، ففي الحديث الصحيح «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في وتر فإني قد رأيتها» أي تكون ليلة يوم الحادي والعشرين أو ليلة الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين أو ليلة التاسع والعشرين، وإن كانت أكثر الأقوال ترجح أنها ليلة السابع والعشرين لذا يجب على المسلم خاصة إذا كان معتكفا أن يقيمها ويحرص على التقرب لله فيها لما لها من شأن عظيم.
ويرى الطيب أن الاعتكاف فرصة عظيمة يجب استثمارها للتقرب إلى الله تعالى لذا يجب على المعتكف أن يكثر من ذكر الله من خلال قراءة القرآن الكريم وتدبر معانيه؛ كما يجب عليه أن يجاهد نفسه على تعظيم المولى عز وجل في الصلاة، وأن يحسن الاتصال فيها بالله بتحقق الطمأنينة والخشية والخشوع.
د.محمد يوسف كريت - الأستاذ بكلية أصول الدين يشير إلى أن الاعتكاف فرصة جيدة يستطيع خلالها المعتكف أن يتخلص من ذنوبه وصفاته السيئة عن طريق التوبة والالتجاء إلى الله عز وجل، وكذلك فطام النفس عن تلك المعاصي في فترة الاعتكاف، لذا يجب على المعتكف الابتعاد عن أي أفعال قد تبطل الاعتكاف مثل الجماع أو المباشرة بإنزال دون الجماع أو الخروج لغير ضرورة ترتبط بتسهيل أمر الاعتكاف أو شرب الخمر والتدخين أو الحيض والنفاس للمرأة، حيث إن ذلك يتنافى مع شرط الطهارة اللازم للاعتكاف بالمسجد.
يوضح كريت أنه يمكن للمعتكف أن يقوم ببعض الأشياء التي لا تبطل اعتكافه مثل تناول الطعام والشراب في المسجد مع الحفاظ على نظافة مكانه أو خروجه لحاجة ضرورية ما مثل إحضار الطعام والشراب إذا لم يوجد من يأتي بهما إليه، كما يمكن للمعتكف أن يخرج للغسل من الجنابة إذا احتلم وليطهر بدنه أو ثوبه من النجاسة أو لقضاء حاجة ما مثل البول أو الغائط، كما يمكن أن يخرج المعتكف ليصلي الجمعة إذا كان المسجد الذي يعتكف به لا تقام به صلاة الجمعة.
كما يمكن له أن يخرج لتوديع أي إنسان يهمه أمره فقد روي البخاري ومسلم أن «صفية زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تزوره في معتكفة فلما أرادت الانصراف قام وودعها فمشي معها إلى مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فأسرعا فقال لهما على رسلكما أنها صفية بنت حيي، أي ليست امرأة أجنبية، ثم قال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شراً».
وعن اعتكاف المرأة يشير كريت إلى اختلاف العلماء حول هذه النقطة وإن رجح كثير منهم سنة اعتكاف المرأة مثل الرجل وذلك استنادا إلى قوله تعالى«فاتخذت من دونهم حجابا{، وقوله «كلما دخل عليها زكريا المحراب{، وهذا اعتكاف في المسجد، وكذلك قول عائشة رضي الله عنها «كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهن حتى يتطهرن».
وكذلك أشارتها لإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولحفصة رضي الله عنهما بالاعتكاف، وبصفة عامة فإن أدلة مشروعية الاعتكاف لم تفرق بين الرجل والمرأة.
آداب عامة
يرى الدكتور كريت أن هناك آدابا عامة يجب أن يتبعها المعتكف حتى يتم اعتكافه على خير أهمها أن يلزم مكانا في المسجد يعتكف به يكون خاصا به، كما يجب عليه عدم الاختلاط بأحد إلا لضرورة إذا أن الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، كما يجب أن يبتعد المعتكف عن الغيبة والنميمة والجدل واللغو في الحديث، إضافة إلى ضرورة الإكثار من الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله.
