رغم أن شهر رمضان الكريم ارتبط بأجواء الإيمان والعبادة والروحانيات، فإن رمضان التاريخ كان كغيره من الشهور، جرت خلاله أحداث وخطوب ووقائع. إلا أن الحال تغير كثيرا عن ذي قبل وارتبط جوه بنكهات غريبة ودخيلة، تتمثل أغلبها في قوالب من السهرات والاجتماعات واللقاءات الرمضانية الخاصة امتزجت بحب اللقاء والاستمتاع برفقة الأصحاب والأصدقاء والجلوس طويلا حتى موعد الإمساك.

ويعد وجود المقاهي الشعبية «الجلسات أو القهوة» ظاهرة قديمة محلياً وجدت خلال فترة السبعينات والثمانينات ومازالت محتفظة بطابعها الأصيل في عدد من مناطق الساحل الشرقي. فقد كانت بدائية في أثاثها وديكوراتها الداخلية حيث تتكون من كراسي خشب تفرش أحيانا بقطع من السجاد، إلا أنها نمت وتطورت مع الزمن. فقد كان يرتادها التجار والوجهاء إلى جانب عامة الناس للتسامر والاطمئنان على بعضهم البعض وتبادل الأحاديث والأخبار وتمضية الوقت ولقاء من لم يروه لفترة طويلة. فكانت قائمة خدماتها تشتمل على القهوة العربية بصفة خاصة والشاي و«القدو» والمشروبات الباردة مثل الشربات، وكذلك المشروبات الغازية «النامليت»، إلى جانب وجود مجموعة من الألعاب القديمة «البته» و«الكيرم» و«الدومنه».

إلا أنه مع تضاعف أعداد رواد المقاهي خلال السنوات الأخيرة وانتشار رقعتها وبسط سيادتها على مختلف اللقاءات، فقد اتسعت قائمة الخدمات والمأكولات وأنواع «المعسل» التي تقدمها بشكل ملحوظ، فقائمتها تحتوي على عشرات الأنواع «المزات» التي ترضي مختلف الأذواق ما شكل عنصر جذب مهماً إليها. ولم تغب التكنولوجيا الحديثة عن المقاهي فالتلفزيون بفضائياته لا يترك شاردة ولا واردة إلا وتناولها، إلى جانب ألعاب الفيديو «والبلاي استيشن» لكونها تجتذب نوعية محددة من الزبائن وفئات عمرية مختلفة ما دون الثامنة عشرة. أما بخصوص المقاهي في رمضان فإن واقعها مختلف حيث يقضي روادها ومعظمهم من فئة الشباب الكثير من الفترة المسائية بين أرجائها مستمتعين بالأجواء الرمضانية التي تقدم إليهم مصحوبة بكل أنواع الخدمات. فهم يعيشون أجواء مميزة وجميلة، فتلك المقاهي شهدت زيادة كبيرة في نسبة الإقبال من المواطنين خلال المواسم الماضية نظرا لانخفاض أسعارها ولأجوائها الهادئة بالمقارنة مع المقاهي غير الشعبية.

ضوابط صارمة في رمضان

جرت العادة أن تغلق المقاهي إجباريا أبوابها خلال فترة النهار في الشهر الفضيل، لكنها تبدأ في الساعة الأخيرة من النهار الإعداد تمهيدا للافتتاح الفعلي مع إعلان موعد الإفطار، فتستقبل الزبائن الذين قد يفاجأ الناظر إلى عددهم بارتفاعه عن المعدل المتوقع.

وبناء على قانون الرخص المحلي رقم (1 ) لسنة 1992 بإمارة الفجيرة وبمناسبة حلول شهر رمضان الكريم قررت بلدية الفجيرة منع فتح المقاهي قطعياً خلال الفترة الصباحية، ويسمح لها بالعمل عقب الإفطار وحتى الرابعة صباحا قبل الفجر طوال شهر رمضان المبارك. مع المراقبة والمتابعة من الموظفين المختصين، وفي حال مخالفة أحكام هذا القرار تتعرض المنشأة للمساءلة القانونية وسيتم إغلاق المنشأة المخالفة إداريا لمدة أسبوع وتغريمها بالغرامة المقررة.

وأشار عدد من أصحاب المقاهي إلى قلة الإقبال خلال شهر رمضان لهذا العام مقارنة مع رمضان الماضي، لعدة أسباب منها عودة الناس إلى أعمالهم بعد الإجازة ورغبة الكثيرين في قضائه مع الأهل في المنزل.

وقال نايف الكسار إن المقاهي تعتبر اليوم مرفقا ترفيهياً واجتماعياً أكثر من كونها مشروعاً تجارياً أو لتمضية وقت فراغ مع الشيشة والدخان، فهو مكان يتم فيه تبادل الأحاديث والأخبار بمختلف أنواعها بما يتناسب مع الجميع، فهي تجمع الأهل والأصدقاء بشكل يومي.

كما أنها سحبت البساط بصورة واضحة عن المجالس واللقاءات الرمضانية المؤقتة خلال الشهر فقط. فالمقاهي مفتوحة طوال أيام السنة وفي كل وقت يأتي فيه الشخص وقتما يشاء، كما أن كل فرد فيه يتحمل عادة قيمة ما يطلبه من المقهى، سواء أكان طعاما أم شرابا أم خدمات أخرى.

وأرجع بوراشد أحد مرتادي المقاهي الدائمين، أن ظاهرة لجوء الشباب إلى المقاهي طبيعية في ظل عدم توافر البديل الناجح، موضحا أنه رغم السلبيات التي تحملها المقاهي، فإن لها ايجابيات لا يمكن إغفالها، وهي تجذب الزبائن إليها بتوفير كل ما يرغبون فيه بعيدا عن شغل الفراغ بأمور سيئة وغير مجدية، فالانسان يشعر بالأنس والسعادة وإن كانت لا تسعد أهل بيته نظرا لتمضيته اليوم أغلبه في المقهى ولاسيما في رمضان بعد صلاة التراويح حتى وقت متأخر من الليل.

وأوضح علي الجوهري من أهالي خورفكان أنه يرتاد المقهى ثلاث أو أربع مرات في اليوم بسبب تدخينه المستمر للشيشة، فالمقاهي ترتبط بالشيشة التي أصبح تدخينها فنا قائما بذاته، أما في الشهر الفضيل فقد تقلص عدد ساعات ارتياده المكان لمرتين فقط وذلك لعدم وجود وقت كافٍ لقدومه المقهى حيث تمثلت أوقاته بعد الفطور وعند منتصف الليل.

وأضاف محمد علي بأنه ليس من مدخني الشيشة إلا أن أكثر أصدقائه يتواجدون في المقاهي الموجودة إلى جانب رغبته الابتعاد عن خصوصية المنزل أيضا وكسر الروتين اليومي ما اضطره إلى ارتيادها، فنتيجة التواجد المستمر والمضاعف الأمر الذي أدى إلى زيادة أسعار المزات في الفترة الأخيرة في تلك المقاهي.

ويؤكد محمد أنه في رمضان ومع الصيام يشعرون أنهم بحاجة إلى أجواء سهر جماعية يتداولون فيها أمور يومهم، ويعملون على تمضية الوقت من خلال جلسات المقاهي المميزة التي يلتقون فيها مع الأصدقاء حتى أصبحت تقليداً رمضانياً يتكرر كل رمضان وإن كان يتضاعف في الأيام العادية.

وأوضح طارق طلال أن المقهى مكان رائع يستطيع الشخص فيه أخذ راحته بكل بساطة وارتياح ويتصرف على سجيته مع أصدقائه الذين قد يجتمع معهم في هذا المكان عوضا عن المجالس في المنازل أو خارجها. لافتا إلى أنه لا يذهب إلى المقهى إلا عند اجتماع «الشلة». في المقهى يدخن الشيشة وكذلك يتابع المسلسلات إذا سمح الوقت. وفي الإطار ذاته أشار محمد النقبي أن تلك المقاهي تشهد إقبالا كبيراً من بعد صلاة التراويح مباشرة.

ويفضل الكثيرون اللجوء إليها بدلا من تمضيته في الفراغ والروتين سواء الجلوس في المنزل أو التسكع في الأسواق والشوارع. لافتا إلى أن البرنامج الرمضاني يبدأ عادة بعد صلاة التراويح حتى قبيل موعد السحور، حيث ينفض الجميع لتناول هذه الوجبة مع أفراد الأسرة. مضيفا أن المكوث في المقاهي حتى يمنحهم الاستجمام والاسترخاء بعيدا عن ضوضاء المدينة وازدحام الشوارع.

طلبات مضاعفة

ومن جهة أخرى وبالسؤال عن الطلب والإقبال في رمضان بالمقارنة مع الأيام العادية، أشار صاحب أحد المقاهي في منطقة قدفع ـ تحفظ على ذكر اسمه ـ أن الأرزاق بيد الله، إلا أن العادة في رمضان يكون عدد الزبائن وحتى طلباتهم مضاعفا خلال الفترة المسائية من الشهر الفضيل ما يعني مكسباً مادياً واضحاً وليس خسائر مادية، وإن كان معدلها أقل من الأيام العادية إذا ما تم مقارنتها، لكون المقهى يفتح طوال اليوم على وجه التقريب.

كما أن رمضان أكثر الشهور راحة بالنسبة له وللعاملين خلال فترة النهار إلى ما بعد الفطور وأن كثر الزبائن. بعكس أشهر الصيف التي سبقته، والتي يسافر فيها الكثيرون إلى خارج البلاد. مضيفا عن مطالبات عدد من الزبائن بفتحه خلال فترة النهار وإن لم يتم بيع المأكولات والمشروبات، لأن المكان بالنسبة لهم ترفيهي قبل أي شي آخر يجتمعون فيه مع أقرانهم ويتسامرون ويتبادلون الأحاديث المختلفة. لافتا إلى أن بعضهم يقضي أكثر من 8 ساعات في اليوم الواحد أحيانا بين أروقة المقهى خلال الأيام العادية من العام، وهي فترة طويلة تفوق ما يقضونه في البيت.

أما علاء المصري ـ صاحب مقهى ـ فذكر أن الإقبال يتزايد في شهر رمضان خلال أيام إجازة نهاية الأسبوع، إلا أنه أقل بالمقارنة مع الأيام العادية في الأشهر الأخرى. كما أن معدل استهلاك الشيشة بشكل عام قد قل لأن الأشخاص الذين يرتادون المقهى لثلاث أو أربع مرات أصبحوا يرتادونه لمرتين فقط نظرا لعدم توافر الوقت الكافي.

حول أضرار الشيشة والمقاهي وحكم الشرع فيها، قال الشيخ حسن علي أبو العينين واعظ بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بالفجيرة أن النبي «صلى الله عليه وسلم» حذرنا من الجلوس في الطرقات، فقال أفضل الصلوات وأتم التسليم عليه:«إياكم والجلوس في الطرقات»، فقالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال:«فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال:«غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر».

موضحا أن المقاهي أصبحت منتشرة بشكل عام ما هي إلا نوع من أنواع الجلوس في الطرقات، غيره أنه ليس للناس فيها بد إلا ما ندر، سوى إيذاء أنفسهم وإيذاء من يمر عليهم وتضييق الطريق على المارة وهذا مخالف لآداب الطريق التي وضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا من ناحية.

أما من ناحية أخرى فقد أشار أبو العينين مما عمت به البلاء ما تقدمه المقاهي من مشروبات تفسد على الإنسان معيشته، من ذلك «الشيشة» وهي نوع من الدخان يحتسيه الإنسان بين أضلاعه. وقد أفتى أهل التخصص بأنها مُضرة بالغة الضرر إذا يتعدى ضررها من يشربها إلى غيره.

وأنها من الخبائث التي جاء شرع الله تعالى ليحرمها. فإن من منهج نبينا «صلى الله عليه وسلم» أنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، والتدخين مهلكة للنفس مضيعة للمال وخراب على النسل وكل ذلك يؤدي إلى ضياع قيم كثيرة في المجتمع. فهذه بعض مقاصد التشريع الإسلامي في الحفاظ على الدين والنفس والعقل وعلى المال والعرض. فكل ما أدى إلى ضياع واحد فقط من هذه المقاصد، جاء في الشريعة الإسلامية الغراء في تحريمه تحريما قاطعا.

وبالجملة يقول الله سبحانه وتعالى: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» (البقرة: 195). لافتا إلى أنه من العجب أن النساء يرتدن مثل هذه المقاهي في إشارة خطيرة إلى تغير ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده، مما ينبئ عن خطر كبير تتعرض له الأمة الإسلامية، فالمرأة هي الأم والزوجة وبصلاحها يصلح المجتمع.

وفي ضوء الإثباتات العلمية والآراء الطبية فهناك اعتقاد لدى الكثيرين بأن تدخين الشيشة أقل ضرراً من السيجارة، وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأن مرور الدخان من خلال الماء الموجود في الشيشة يعمل على ترشيح وتنقية الدخان من المواد الضارة وبالتالي يقل الضرر الناتج عن تدخين الشيشة. إلا أنه قد تبين طبيا ومخبريا خطأ هذا الاعتقاد من خلال تحليل الدخان الخارج من فم مدخن الشيشة على أنه يحتوي على نفس المواد الضارة والمسرطنة الموجودة في دخان السجائر، كما أثبتت الدراسات أن التدخين بالشيشة يسبب الإدمان والأمراض.

ففي المقارنة بين تدخين السجائر والشيشة وجد لهما نفس الأضرار، والشيشة تزيد عن أضرار السيجارة لأنها تحتوي على مادة أول أكسيد الكربون وهي أكثر ضررا على صحة الإنسان، وهذه المادة موجودة في عوادم السيارات وبعض الأدخنة الأخرى. وهذا الغاز له قدرة هائلة في اتحاده مع الهيمجلوبين وبسرعة أكثر من 200 ضعف.

أضرار مدمرة

أضرار التدخين تمتد إلى كافة جسم الإنسان بما فيها الكبد والكلى والقلب وبالطبع الرئة والجهاز التنفسي، وذلك لأن المواد السامة في الدخان تنتقل إلى الدم والذي بدوره ينقل هذه المواد السامة لكافة أعضاء الجسم. وتلك الأمراض التي يصاب بها المدخن في أي عضو من أعضائه وأمراض السرطانات المختلفة مرتبطة بالتدخين بنسبة 100% فالتبغ مليء بالمواد السامة. وحسب الدراسات العلمية بأن 28 جراما من تبغ الشيشة وهو ما يعادل رأس الشيشة يساوي أو يعادل ما بين 15 إلى 20 سيجارة.

كما تختلف مكوناته عن مكونات تبغ السجائر ودخانها، حيث أن بها ما لا يقل عن 4000 مادة سامة، أهمها النيكوتين وغاز أول أكسيد الكربون والقطران والمعادن الثقيلة والمواد المشعة والمسرطنة والمواد الكيميائية الزراعية ومبيدات الحشرات، وغيرها الكثير من المواد السامة.

ناهد مبارك