امتاز الإسلام عن غيره من الأديان بأنه أولى عناية خاصة للأطفال، ووضح للآباء كيفية تربية أبنائهم تربية إسلامية صحيحة طبقا لما شرعه الله حيث كان للإسلام فلسفة من وراء هذا الاهتمام المتزايدة بالطفل، وهي أن أطفال اليوم هم شباب الغد الذين سيتحملون مسؤولية قيادة الأمة في كل المجالات.

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على وضع المبادئ العامة لتربية النشء، ومن بينها الصيام، ففي الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مروا أولادكم بالصيام لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر»، وقد كان هذا الحديث هو القاعدة الأولى في تربية الأطفال في الإسلام،لايزال يعتمد عليه حتى الآن بعد أن أظهرت نظريات التربية الحديثة أن أفضل سن لبدء تعليم الأطفال للمهارات الأساسية هو من سن السابعة إلى العاشرة.

ولكن كيف يمكن تدريب الأطفال على صيام أيام الشهر؟ وما السن المثلى للبدء في عملية تعليم النشء وإلزامهم بهذه الفريضة حتى إذا ما وصل الطفل إلى سن التكليف يكون قد اعتاد على الصيام دون أن يمثل له أي مشقة أو تعب؟.

يقول د.أحمد علي طه ريان - أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة الأزهر، ورئيس لجنة الفقه بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: إن شهر رمضان المبارك موسم إيماني يأتي كل عام، ويريد الله من خلاله أن يصل المسلم إلى أعلى درجات الصفاء والنقاء الروحي من خلال التزود بالطاعات.

والبعد عن المعاصي، وإذا كان الأبناء هم أعز ما نملك في هذه الحياة فعلينا أن نربيهم تربية إيمانية صحيحة، وأن نغرس فيهم منذ الصغر حب الفضيلة، والبعد عن الرذيلة؛ حتى إذا ما شب الطفل الصغير وصار شابا يستطيع أن يميز بين الغث والسمين.

أضاف أن أفضل طريقة لحث الأطفال على الصيام هي أن يشعر الطفل بدايةً أن شهر رمضان ليس ضيفًا ثقيلاً بحيث لا يرى والده عصبيا في نهار رمضان، أو أن أمه لا تحتمل أي كلمة وهى صائمة؛ لأن هذا الانطباع يدوم لدى الطفل، ويجعل رمضان بالنسبة له شهرا كريهاً، ومن ثم لا يتجاوب مع الصيام، وهذه نقطة غاية في الأهمية قد لا يشعر بها الآباء.

لكنها تمثل نقطة فاصلة في بداية تدريب الأطفال على الصوم، كذلك لا يجب أن يكلف الطفل بصيام الشهر كاملاً؛ لأن هذا الأمر فوق طاقته، ولم يكلفه الله به، ومن ثم فالتخفيف أفضل ويعطي نتائج أكثر إيجابية. كما أشار ريان إلى ضرورة أن يبدأ الطفل الصيام بشكل تدريجي بحيث يصوم في اليوم الأول إلى منتصف النهار.

وفي اليوم التالي إلى العصر مثلاً، وهكذا إلى أن يستطيع الولد أو البنت تحمل صيام اليوم كاملاً. وتابع: إن وصول الطفل إلى مرحلة القدرة على تحمل مشقات الصيام لا يعني أن يطلب منه صيام بقية الأيام بنفس الطريقة لأنه ربما يكون في يوم من الأيام غير قادر على ذلك والله تعالى يقول«لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها{.

أما د.منيع عبدالحليم محمود - عميد كلية أصول الدين السابق فيقول: إن الطفل غير مأمور بالصوم لأنه لا يدخل في نطاق التكليف فلا يثاب بالصيام، أو يعاقب على تركه، لكن لا مانع من أن يدرب الآباء والأمهات أبناءهم وبناتهم على تحمل الصيام في الصغر حتى إذا ما وصلوا إلى سن البلوغ يكونون قادرين على تحمل أداء هذه الفريضة.

وأضاف أن أفضل سن من الممكن أن نبدأ فيه تعليم الأطفال الصوم هو سن السابعة إلى العاشرة قياسا على فريضة الصلاة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع».

وأشار إلى ضرورة إشعار الأطفال بالفرحة عند الإفطار، وتذكيرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه»، ويفضل أن يجتمع أفراد الأسرة كلهم على مائدة إفطار واحدة حتى نرسخ عند الأطفال فكرة الترابط الأسري والاجتماعي، ويجب على الأب اصطحاب أبنائه معه إلى المسجد لأداء صلاة التراويح وسط المسلمين؛ لأن هذه الأمور تزرع الطاعة لدى الطفل منذ صغره وتنمي فيه حبها.

أما د.طه حبيش - أستاذ الفقه المقارن فيقول: إن إلزام الأطفال بالصيام مسؤولية عظيمة يجب على الآباء القيام بها لأن المولى سبحانه وتعالى سيسألهم عن أبنائهم وما علموه لهم، وسيسألهم كذلك عن تقصيرهم تجاههم في أي فريضة.

وأوضح أنه من الأفضل أن يبدأ الأب في تدريب أبنائه على الصيام في سن مبكرة، وأن يشجع أبناءه الصغار على الصوم من خلال إعطائهم الحافز فمن يستطيع أن يكمل يومأ كاملاً مثلاً يعطيه هدية معينة لأن هذه الوسائل تساعد على تحبيب الطفل في الصوم.

وأشار إلى ضرورة معرفة رأي الطبيب إن أمكن لتحديد مدى إمكانية قدرة الطفل على تحمل متاعب الصوم حتى لا تحمله ما لا يطيق، وحتى يؤدي هذا إلى إحداث أضرار جسدية على صحة الطفل، وأن يكون هذا التدريب على مراحل إلى أن يصل إلى مرحلة يلزم فيها بالصوم.

أما عن رأي علماء الاجتماع فتقول د.هدى عبد القادر - أستاذ تربية الطفل بجامعة القاهرة: إن الطفل يشعر في شهر رمضان بتغير حال الأسرة من خلال الطقوس الرمضانية التي يراها أمامه؛ وتضيف: على الوالدين ألا يشعروا أبناءهم بأن رمضان ضيف ثقيل الظل يحرمهم من الأكل والشرب.

ويتكاسلون فيه عن العمل؛ لأن هذه السلوكيات تنعكس على الأطفال، ويصبح رمضان بالنسبة لهم شهر حرمان، ولذلك لابد من أن تكون مظاهر البيت تدل على الفرحة والسعادة بقدوم رمضان حتى يتعود الطفل على أن رمضان مهرجان سنوي يتزاور فيه الأهل والأصدقاء.

وأضافت: لا بأس بعد ذلك من البدء في تدريب الطفل على الصيام بصفة تدريجية حتى ولو صام كل يوم كما محددا من الساعات، وتنصح هنا بإيقاظ الطفل في وقت السحور حتى يشعر بالمشاركة وبقيمته في الأسرة.

وأوضحت أنه لابد من تشجيع الطفل حسب ما تنص نظريات التربية الحديثة من خلال إعطائه الحافز الذي يجعله مستعدا للصيام، وتحمل أي تعب أو إرهاق قد يتعرض له كأن يمنح مكافأة مالية أو هدية مقابل قدرته على صوم يوم كامل.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية