هل هي حقيقة أن قضاء الله هو عين الرحمة وأن المنع هو عين العطاء؟ كيف؟

لو ذقت هذه النعمة لعرفت سعادة الأنس بالله عز وجل وذهب عنك القلق وذقت طعم الطمأنينة وقلت لنفسك:

إذا رأيت الله في الكل فاعلاً

رأيت جميع الكائنات ملاحا

فيتجلى عليها الحق بقوله: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فلا عليك من دنيا الهم والغم والظنون، وإنما لك السكينة والهدوء والأمان.

هذه قصة سيدنا موسى مع عبد صالح قيل هو الخضر أعطاه الله علم اليقين بعجائب القدرة الإلهية في قضائها وقدرها، وكلف الله نبيه موسى بأن يسعى إليه ليتعلم منه.كما حدثتنا سورة الكهف. (قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما عُلِّمت رشدا)؟.. فرد الرجل الصالح -الذي هو بين الناس دون نبي الله موسى مكانة في الإيمان - (قال إنك لن تستطيع معي صبرا)..وبين العلة بقوله: (وكيف تصبر على ما لم تُحِط به خُبرا)؟ فترجاه نبي الله أن يقبله فشرط عليه ألا يسأل عن ما ليس له به علم أي عما هو فوق إدراك العقل البشري فوافق نبي الله.. غير أنه لم يحتمل مع أول تجربة، ولا الثانية، ولا الثالثة.

فقال له الرجل الصالح: (هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا)

ويعرض القرآن المشاهد الثلاثة وحكمة الله في كل منها، ويبلغها سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم للأمة.

والمشهد الأول: ركبا معاً سفينة، فأكرم أصحابها الرجل الصالح وضيفه، ولم يأخذوا منهما أجرا على التوصيل.. فقام يكافئهم على كرمهم فماذا صنع؟ نزع لوحا من قاع السفينه فخرقها لهم حتى رست على الشاطيء لا تستطيع الإبحار إلا بعد إصلاحها في وقت ليس بالقليل فاعترض نبي الله موسى بمنطق العقل! أهذا جزاء من أكرمونا؟ قائلا: (أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا) عجيبا منكرا فقال الرجل: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فتدارك النبي نفسه وقال: لا تؤاخذني بما نسيت..

المشهد الثاني: مرا على غلمان يلعبون وبينهم غلام متميز لافت للنظر، فتقدم الرجل الصالح نحو الغلام وقتله.. فكان من حق موسى أن يعترض بمنطق الشرع (قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس)؟ -أي بغير حق شرعي كالقصاص - (لقد جئت شيئا نُكرا)! (ينكره العقل). فكرر الرجل الصالح عتابه (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) فتذكر نبي الله موسى العهد (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني..قد بلغت من لدني عذرا) أي ما قصَّرتَ..

المشهد الثالث: دخلا معاً قرية على طريق السفر وهما غاية في الجوع والتعب..

فلم يلتفت إليهما أحد من أهل القرية باستضافة أو بطعام..بل طلبوا الطعام فلم يضيفوهما ! فجلسا إلى جوار جدار متصدع يوشك أن يقع، فقام الرجل الصالح وطلب من نبي الله أن يساعده في ترميم هذا الجدار حتى لا يقع... فنسى نبي الله العهد واعترض ملفتا إلى جوعهما وعدم استضافتهما من هذه القرية (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) فتوقف الرجل الصالح (قال هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا).

مصطفى عبد العال أبو زيد

* المستشار التربوي لبرنامج وطني