يأتي شهر رمضان ويذهب ولا تنقطع موائد الخير أمام المساجد والخيام الرمضانية العامرة بالأطعمة التي وضعت لكل من الفقراء وأبناء السبيل والمارة وغيرهم ممن يجتمعون على هذه الموائد.
المشهد الرمضاني لموائد الرحمن يبدأ عند الخامسة مساء حيث يتوافد الصائمون على المساجد والخيام الرمضانية لإعداد المائدة والإفطار بصورة جماعية تحكي ألفة المسلمين وتعاونهم. والدور الأكبر في هذه الموائد من نصيب الجمعيات الخيرية ومراكز الهلال الأحمر.
بالإضافة إلى مساعدات بعض الأسر المواطنة في تقديم أطباق شعبية على هذه الموائد كنوع من المشاركة في عمل الخير، سهيل صالح كان يشارك في إعداد وترتيب المائدة عن دوره يقول: إن والدتي تطبخ يوميا طبقا معينا من الأكلات الشعبية وتخصصه للفقراء الذين يتجمعون عند المسجد، من باب الصدقة وفي الأغلب يكون الطبق من الهريس أوالدنقو أو خبيصة أولقيمات، ليأتي دوري بعد ذلك بإيصال الطبق قبيل المغرب إلى المسجد وأعمل على توزيعه على مائدة الصائمين وفي بعض الأحيان أشاركهم الإفطار عند المسجد حتى أتمتع بصلاة المغرب جماعة. وأستغل الوقت الذي يسبق الإفطار في قراءة القرآن.
ويضيف سهيل صالح: إن موائد إفطار الصائم عمل من أعمال الخير وتساهم في إدخال الفرح والسرور إلي قلوب الأسر المحتاجة والمتعففة في الدولة. وغالبا ما نجد أهل الخير يتنافسون ويتسابقون علي المساهمة في إفطار الصائمين خلال رمضان وغيره فهذه عادة أهل الإمارات والأهم من ذلك التنافس بين المؤسسات والجمعيات الخيرية لتفطير الصائمين فهي تتعاقد مع مطاعم كبرى لإعداد الوجبات. التي تشتمل على اللحم والدجاج والأرز والعصير والحلوى والفاكهة والتمر واللبن والمياه.
ويخبرنا عزيز إسلام بنجالي الجنسية أنه سعيد بما تقدمه الدولة وأهل الخير من مساعدات للمحتاجين، فيصف حاله أنه من الطبقة العاملة التي لا تجد وقتا لإعداد الطعام لأنه يعمل لساعات متأخرة من النهار ويعيش في سكن عمال لا يشكل جميع ساكنيه من المسلمين، فهو يجد أن موائد الخير تقدم له فرصة الإفطار الجماعي مع المسلمين إذ أن الصائم خاصة في الشهر الفضيل لا يحبذ الإفطار لوحدة.
ويقول أشرف نصر الدين مقيم آسيوي: أحب أن افطر هنا كل يوم ومستوى الأكل ممتاز ويكفي لسد رمق الصائم فمرة يقدم لنا دجاج مع الأرز والتمر ولبن وزبادي وعصير وزجاجة مياه واليوم الآخر يقدم اللحم فضلاً عن الحلوى والفاكهة، هذا شيء طيب ما كنت سأوفره لنفسي، كما أنني مغترب وعائلتي بعيدة ولا أجد من يعد لي مائدة عند الإفطار.
مع اقتراب موعد الأذان تبدأ موائد الخير عند المساجد استقبال أعداد بسيطة من المواطنين والخليجيين الذين يضطرهم الوقت أحيانا للتوقف والإفطار عند المسجد وآخرين يقصدون الموائد لكي يلحقوا بصلاة المغرب مع الإمام، وهذه ظاهرة طيبة أن يحرص الصائم على الصلاة في المسجد حتى عند أفضل الأوقات التي تجمع الأسرة.
يُذكر أحمد خلفان أن هدفه من الإفطار عند المسجد هو اللحاق بصلاة المغرب مع الإمام، خاصة وأنه بين الصلاة والإقامة يكون الوقت ضيقاً ولا يسعه الإفطار في منزله بالوصول إلى المسجد في الوقت المحدد، لكنه يكتفي بحبات من التمر واللبن من المائدة الرمضانية عند المساجد ليصلي بعدها ثم يعود ليكمل إفطاره في المنزل مع عائلته.
ويقترح أحمد أن ترافق موائد الخير محاضرات ومواعظ دينية من باب التوجيه والإرشاد واستغلال وقت انتظار الأذان خاصة مع تجمع عدد من المسلمين قبيل المغرب.
حيث تكون القلوب فيه منشرحة والأذان صاغية لسماع ما يلقى عليها فلو قامت وزارة الشؤون الإسلامية ممثلة بمكاتب دعوة الجاليات مشكورة بتبني هذه الفكرة عموماً بتخطيط وتنظيم مثل هذه الدروس وبلغات مختلفة ليساعد ذلك حتى في نشر الإسلام بين الجاليات الموجودة في الدولة، فهناك من الفقراء غير المسلمين يتوافدون إلى المساجد قبيل المغرب لحمل بعض الأطعمة أو الفواكه القابلة للتوزيع التي تكون في الأغلب أطعمة إضافية، والذين ترى في أعينهم انبهارا لعظمة الدين الإسلامي وتعاضد المسلمين. بالرغم من أن الوزارة تقيم محاضرات في المساجد الكبيرة في الإمارة وليس كل المساجد.
ظروف قاهرة
مواعيد العمل أهم الأسباب
يقول عثمان أحد المترددين على خيام الإفطار: لست مسكيناً، ولن أعجز عن الإفطار على نفقتي لأنني أعمل، وبفضل الله أتقاضى أجراً عن عملي، وأستطيع إعداد الإفطار كل يوم، لكن مواعيد العمل تمنعني عن ذلك.
ويضيف أن عدد الأشخاص الذين يترددون على موائد الخير ضئيل وغالبيتهم ممن يتصادف عملهم أثناء ساعة الإفطار أو بعض المحتاجين الذين بدون عمل، والخيمة بالنسبة لهم فرصة توفر عليهم نفقات الإفطار الجماعي أو الإفطار في مطعم.
ويتحدث أحد المتطوعين الذين يعدون المائدة أنه يحب المساعدة و عمل الخير عندما يكون متفرغا ولكن عند اقتراب موعد الإفطار فإنه يفضل الإفطار مع زملائه في السكن فالإفطار وسط الأصدقاء والأقارب له لذة أخرى، وفي رمضان تتسع المائدة لعدد أكبر من الذين تعودوا الأكل سوياً، ففي الأيام العادية يشترك بعض الزملاء في الأكل، لكن خلال رمضان يزيد العدد ويتسع، مشيراً إلى أنه يسكن في منزل مع 20 فرداً يحرصون جميعاً على الإفطار سوياً، حيث يدفع كل فرد مبلغ يقل كلما زاد العدد ويتم تقسيم العمل فيما بينهم لإعداد الطعام طيلة أيام الشهر.
فضل تفطير الصائمين
لم يجعل الله عملا يقوم به المسلم إلا أثابه عليه بجزيل الأجر، فتفطير الصائمين من أعمال الخير التي حث عليها الرسول الكريم والسلف الصالح. والأحاديث الواردة في الترغيب في تفطير الصائم كثيرة منها ما رواه أحمد في مسنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم : قال: «من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً»، وروي عن سلمان رضي الله عنه عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من فطر صائماً على طعام وشراب من حلال صلت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان و صلى عليه جبريل ليلة القدر.
رواه الطبراني. ثم إن الشرع يرغب ويدعو إلى كل ما من شأنه أن يقوي أواصر الأخوة بين المسلمين عموماً. فالسلف الصالح ما كان ليفطر أحد منهم على طعام قط وحده، فإن وجد من يأكل معه أكل و إلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه بل ويخدمهم في تقديم الطعام ورفعه.
وتفطير الصائمين من العبادات التي ينشأ عنها التودد والتحبب إلى المطعمين فيكون ذلك سببا في دخول الجنة لقول الرسول الكريم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا». كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين وتقوية الفقراء على أداء العبادة.
ابتسام الشاعر
