قال الشيخ: ما من كلمة أسيء استعمالها وفهمها كالوسطية، سيما في زماننا هذا الذي يراد فيه لكثير من المفاهيم أن تحّور ولكثير من المعاني أن تزوّر، تحت عناوين مختلفة وابتغاء أغراض متنوعة، منها اليسر والتيسير ومنها مجاراة العصر ومنطق الأيام، فالحق سبحانه وتعالى يقرر في القرآن الكريم: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).
والوسطية هنا صفة تطلق على الصراط المستقيم أو المنهج الذي أراده الله لهذه الأمة، والوسط هنا لا يكون إلا بين طرفين، وتحديد أمر الطرفين وموقعهما هو الذي يحدد الوسط، كأن يكون المنهج وسطاً بين الروح والعقل، أو بين التمتع والزهد، أو بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، وكل هذا من معاني الوسطية التي أرادها الله لأمة الإسلام لتكون مثالاً يحتذى في الدنيا، ولتكون يوم القيامة شهيدة وشاهدة على انزلاق الأمم الأخرى نحو أحد الطرفين في كل معادلة من هذه المعادلات وغيرها.
فالوسطية إذن كما يجب أن يفهم الدعاة هي التزام بالمنهج وليس مساومة عليه، وهي تطبيق دقيق لجزيئات المنهج دون محاولات لطيّه وليّه، وتغييره وتحويله، وتبديله وتقويمه، استجابة لما يسمّى بضرورات العصر أو روحه حتى خرج البعض عن الدين وهم جاهلون.
لقد فهم البعض الوسطية على أنها نوع من السير نحو منتصف الطريق مع الآخر المختلف، أو نوع من اليسر والمسايرة من هؤلاء في الحذف والإضافة ابتغاء العصرنة والحداثة، وراح البعض يتحدث عن النصوص مفتوحة الآفاق وصولاً إلى أشكال عجيبة من التأويل لا تبقي من الدين إلا اسمه، وهذا - كما هو واضح - ليس من قبيل الوسطية، وإنما هو من قبيل السرقة والتشويه والخداع وهو أمر لا نحسبه هيناً عند الله.
إن القيم - على سبيل المثال- في الإسلام نوع من الثوابت لا مكان للمساومة عليها، حتى ولو جنّ الناس وخرجوا عن إنسانيتهم أو عقولهم، فعموم الفساد أو انتشاره لا ينشئ قاعدة، وألفة الضلال لا تغير شيئاً من كونه ضلالاً، وحياتنا اليوم تغصّ بأمثلة عن الانحراف عن قيم الإسلام ولا يمكن وصف بعضٍ منها بأنها من قبيل وسطية الإسلام.
فالحجاب الإسلامي واضح في تعريفه وشروطه ولا يمكن التنازل فيه كنوع من الوسطية مع دعاة السفور والعراء، والأمانة في العمل واضحة قاطعة ولا يمكن القبول معها بهامش من الرشوة كنوع من الوسطية ابتغاء تيسير الأمور وخلق حوافز للعمل، والآداب الإسلامية ظاهرة للعيان كالشمس ولا يمكن المساومة عليها مع أشكال من الإعلام الساقط أو القريب من الساقط كنوع من الوسطية، والعلاقات الاجتماعية الشرعية بينة جلية وموصفة ومؤطرة لا يمكن الحديث فيها من قبيل الوسطية عن نوع من الاختلاط غير المضبوط.
الوسطية لا تعني انزلاقاً في مهاوي الربا مسايرة للاقتصاد العالمي، ولا تعني قبول الضيم السياسي مع الذل والهوان من باب أنه لا مفر من مواقف وسطية بين «الشجاعة» و«الخوف» وبين «النضال والاستسلام».
فإذا تبين لنا كيف أن القيم لا تقبل التشويه من منطلق رفع شعار الوسطية، كان لا بد من الإشارة إلى أمر آخر هو «الهوية». فالهوية الاسلامية يجب ألا يتم التنازل عنها أو عن بعضها ثم نقول انه منطق العصر والإسلام وسطي بذاته، والهوية سلوكيات وأفعال، ولغات وأقوال، وسمات ومظاهر، ومعارف ومخابر، وكل هذا يتحرك ضمن طيف رائع إسلامي.
إن ما يجب أن يفهمه دعاتنا اليوم أن الوسطية تعني أن الإسلام يُصلح كل زمان ومكان - بضم الياء وكسر اللام - ولا يصلح - بفتح الياء وضم اللام - لكل زمان ومكان، أما أنصاف الحلول وأرباع الطرق والمساومات والمداهنات ومد اليد للآخر بالتنازل عن بعض ما في الإسلام فإن هذا من قبيل الخيانة لا الوسطية.
ماهر سقا أميني
