رمضان من مواسم الخيرات التي يتيحها الله تعالى لعباده ليتزودوا منها ما استطاعوا، فإن للدنيا تجاراً وإن للآخرة تجاراً، تجار الدنيا يترقبون مواسمها ليربحوا وتجار الآخرة يترقبون مواسمها أيضاً ليربحوا.
ولكن ربح هؤلاء غير ربح أولئك، إن ربحهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار، يأتي رمضان كل عام فرصة للمسلم ليزداد من الخيرات ويقلل من أسباب السيئات فيا سعادة من انتفع بهذه الفرصة.
جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين» وجاء في بعض الأحاديث. «وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر..» رواه الترمذي.
فتأمل معي إلى سعة عفو الله وإلى سعة رحمة الله وجل حيث ينادي على باغي الشر الرجوع إلى الصواب وكان الحق جل وعلا يقول له أيها العاصي الفرصة أمامك بحسبك من الغفلة عن الله أحد عشر شهراً مضت هكذا يفتح الله باب التوبة على مصراعيه.
وهذا من رحمة الله بعباده فهو أرحم الراحمين وخير الراحمين وسعت رحمته كل شيء وعم بها كل حي وملائكة الرحمة وهي تدعو المؤمنين أثنت على ربها وتقربت إليه بهذه الصفة العظيمة «ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً» وفي الحديث القدسي: (إن رحمتي تغلب غضبي).
فبغاة الشر عرف الله سبحانه ضعفهم وعرف تسليط الغرائز عليهم عرف وسوسة الشيطان له، عرف أن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يُغرى بالشرور وكثيراً ما يتورط في الآثام وكثيراً ما تزل أقدامه، عرف الله ذلك من عباده ففتح لهم باب التوبة وهو سبحانه هو الذي خلقهم هكذا .
لأنه سبحانه يريد أن يتوب على عباده فاسمه التواب واسمه الغفار فمن شأنه أن يغفر، إنهم العصاة إنهم الظالمون المسرفون على أنفسهم، ومع ذلك ينادي عليهم لأن الله لا يريد من عباده أن يبعدوا عنه ولكن يريدهم أن يتقربوا منه.
من أقبل على الله تائباً تلقاه من بعيد ومن أعرض عنه ناداه من قريب كما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم»: فمع أنهم العصاة لم يحرمهم شرف العبودية له أبقى عبوديتهم له وناداهم بهذا النداء المؤنس المحبب «يا عبادي».
وكأن الحق سبحانه يقول لهم أنتم عبادي وإن أخطأتم وعصيتم، فيا باغي الشر أقصر نعم أقصر لأنك أنت المستفيد لأن طاعتك لن تزيد في ملك الله شيء ومعصيتك لا تنقصه. كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم جاءوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم جاءوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر...».
إن أول شيء يرتكبه أهل الغفلة وبغاة الشر هو أنهم يستثقلونه فتراهم يعدون أيامه ولياليه حتى ساعاته لأن رمضان يحجب عنهم الشهوات ويمنعهم اللذات مع أن أيامه معدودات قال تعالى عن عدة هذا الشهر «أياماً معدودات».
إن هذه الكلمة تشعر بسرعة الانقضاء وقرب الرحيل وهذا واقع فنحن نستقبل الشهر لكي نودعه فلا داعي لاستقبال لحظاته فلا داعي لطول الأمل وما أنت إلا أيام معدودة وعمرك يمضي بك إلى أجل، قال تعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعملون، كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك».
فاعمل في أيامك المعدودة من قبل أن يأتي يوم تقول فيه يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله أو تنادي هل إلى مرد من سبيل أو تقول يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل فاغتنم الفرصة وأقصر فكم من مستقبل يوماً لا يستكمله ومنتظراً غداً لا يبلغه.
راية المحرزي