معالجة أسباب التطرف هي الكفيلة بإيجاد مناخ تزدهر فيه الوسطية، وأول ما يساعد على ازدهار الوسطية في المجتمعات اعتماد الحوار القائم على حرية التعبير سبيلاً للتفاهم بين التيارات الثقافية الموجودة فيها، حين نستحضر تاريخ أمتنا في القرنين الأخيرين، نرى بوضوح الأثر الكبير للواقع الثقافي العربي بتياراته المختلفة على مختلف جوانب الحياة في وطننا العربي والإسلامي.
وقد انعكس هذا الأثر على حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والعقيدية، ذلك بفعل ما للثقافة من فعل، هذه الحوارات وغيرها التي تتناول الوسطية والاعتدال، هي مادة مثيرة للنقاش، وفي المجلس الرمضاني الذي عقده العميد الركن الدكتور الشيخ سعيد بن محمد آل نهيان نائب المفتش العام بوزارة الداخلية.
بحضور الدكتور حمدان بن مسلم المزروعي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والدكتور محمد مطر الكعبي مدير عام الهيئة وعدد من فضيلة العلماء والمشايخ ، أثاروا هذا الحديث وارضوا الكثير من المفاهيم التي كانت مغلوطة عن الآخرين. وفي بداية المجلس كان أول المتحدثين فضيلة الدكتور فاروق حمادة المستشار الديني بديوان الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ، حول ضرورة أن يعي الإنسان أن الإيمان هو مفتاح الأمان والسعادة والاستقرار واصفا إياه بالنبراس الذي يضيء حياتنا وضاربا مثلا بالكفار الذين يعيشون في ظلمة، لا يستطيعون النظر إلى الماضي كونه مظلما ولا التطلع والنظر إلى المستقبل لأنهم يفتقدون الإيمان الذي يجعلهم يعملون في سكينة واطمئنان .
على اعتبار انهم خائفون وجلون على عكس المؤمن الذي يكبل الإيمان الحقيقي يديه ورجليه عن إيذاء الآخرين والتسبب في شقائهم وشقاء أنفسهم، وقال خلق الإنسان قلبا وقالبا في أحسن تقويم لأنه فطره على الإيمان وخلقه عليه فتوجه إلى ربه فعرفه وعبده وأحبه وثمرة الفطرة معرفة الله والتوجه إليه ومحبة الله عزل وجل فإذا أحب ربه عاش حياة أخرى وشعر بأحاسيس أخرى .
وإذا انقطعت تلك الصلة ضاع الإنسان وتعب وشقى، وروح الانتساب للوطن الإيمان بالله تعالى لأنه إذا انتسب إلى الله أحب الطريق وعندها لن يظل وإذا فقد الطريق لا يسأل عنه في أي وادي يهوي، وهذا هو حالنا اليوم. وبمقدار قرب الإنسان من الله تزيد قيمته ويعلو قدره وإذا انقطع عن الله يصبح الإنسان مادة فيحسب قدره بقدر مادته والتي هي عبارة عن حفنة من التراب .
ولذا هو يكبر بالإيمان، وهذي تعتبر أول خطوة في الانتساب وهي الإيمان والثاني إذا توجه الإنسان إلى ربه ورد الإيمان في قلبه فقد استنار في ذاته وأنار الوجود في حوله ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، استنار قلبه فأنار الوجود من حوله، وأما الكفر فهو ظلمة والكافر يرى الماضي عدما ويرى في المستقبل المخاوف ، سكنه الرعب والخوف على عكس المؤمن الذي يستنير وينير لأنه الله أخرجهم من الظلمات إلى النور.
الإيمان قوة المؤمن
والإيمان قوة لأن الحياة قائمة على الكدر مطبوعة على المشاكل فمن ربى الإيمان في قلبه واستقر في جوارحه هانت عليه الدنيا فإذا جاءته أحداث وأعراضها لا تزلزله فلا يلجأ للانتحار وللمخدرات ولا للمسكرات ولا للوجود من حوله ماذا يصنع انه يوحد الله والتوحيد يقود إلى التسليم والتسليم يقود إلى التوكل .
ومن يتوكل على الله فهو حسبه فيرى أحداث الوجود قربى فيشق طريقه في هذه الحياة بقوة وعزم دون خوف من شيء وجل مما يراه حوله، والكافر فلا يرى توكلا ولا استسلاما ولا توحيدا وييأس من الوجود ويقع في حمئة العدم لأنه يرى الوجود عدم وهذا هو الفرق بين الإيمان والكفر الإيمان الذي يصنع الإنسانية الشاملة الكاملة.
وبغير الإيمان لا يستقر الإنسان ولا يصلح له حال أبدا، والمؤمن لا يتعدى على احد ولا يظلم احد فالإيمان قيد يديه وكبل رجليه فلا يستطيع أن يضر ولا يؤذي ولا يشير إلى الناس ولا بكلمة لأنه مع الإيمان بل ونبت الإيمان غرس الإيمان بالإضافة التضرع الذي يجعل الإنسان ضعيفا في ترقب دائم وتوجه في كل الأحوال والأوضاع على عكس الكافر الذي يتخبط يمينا وشمالا .
ولا يعرف ما يصنع حائر في أمره لا يعرف ما يصنع وهذا هو واقع البشرية التي تحتاج إلى ريح الإيمان لتهب على القلوب لأن الايمان سكينة وطمأنينة وأمن وسلام والكفر تدمير وتخريب و اهانة للإنسانية وتحقير والبشرية حاليا تحتاج إلى هذه الريح.
الغلو والتطرف
وأشار المفكر والداعية الإسلامي عبد الله فدعق من علماء مكة المكرمة إلى أن الغلو والتطرف والإرهاب مواضيع شائكة وفي أوساط الباحثين وأهل العلم والتربية وجدوا أكثر من 35 تعريف للإرهاب والناس ضاعت بين التعريف الصحيح للإرهاب أوصوله للإسلام .
على الرغم أن هناك إرهابا في ايرلندا والصين وغيرهما من البلاد ولكنها لا تنسب للدين فلا يقل إرهاب بروتستانتي ولا كاثوليكي ولا يهودي ولا بوذي فقط الصق الإرهاب بالمسلمين بسبب سوء تصرف بعض من وصل إلى الغلو والتطرف والحمد لله ستنتهي هذه المسألة بشكل تدريجي.
والغلو في ابسط تعريف له هو التطرف و يأتي بالفعل مرات وبالترك مرات مثلا كأن يترك الإنسان الكثير من الجوانب المباحة الطيبة في حياته كالألبسة والأطعمة دون سبب مباشرأو ان يزيد الإنسان في صلاته ويترك واجباته الاجتماعية فذلك أيضا غلو، وقد تكون البيئة سبب في انتشار الغلو والتطرف بين أفراد المجتمع وضرب مثلا بمجتمع الإمارات الذي وصفه بالوحيد على مستوى دول الخليج ولا تعاني من الغلو والتطرف.
ومن أسباب التطرف والغلو بحسب فدعق الكراهية والحسد بين الناس في المجتمع الواحد على عكس دولة الإمارات التي لم نلاحظ فيها غلو بين الناس، والفتور والملل والتقاعس عن العبادات والواجبات وسعي الناس إلى تصنيف بعضهم ببعض الديانات والتوجهات والمذاهب والمفاهيم.
واقترح فدعق تصميم استبانه مكونة من 20 سؤالا يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان الإنسان متوجه للغلو وما إذا كان مرشحا لأن يصبح مفجرا أو إرهابيا في يوم من الأيامأ والخلاص من الغلو والتطرف لن يكون إلا بمعرفة الأسباب وحلها والسماح لأصحاب الرأي بالتعبير عن أرائهم وأصحاب الثقافات بممارسة عادتهم المختلفة.
مؤكدا على أن الغلو والتطرف والإرهاب الذي وصل إليه العالم اليوم سلوك تعلمه الإنسان وليس أمرا وراثيا وعلاجه لا يقتصر على الجوانب الأمنية متفردة ولا علاج الاقتصاد بشكل منفر فالجهود لابد أن تتعاون لحل المشكلة من جذورها.
الغلو والكراهية يتصدران أسباب التطرف
ويرى الدكتور منصور عبيد منصور من علماء مصر أن دولة الإمارات تتقدم بخطى شريعة إلى نهضة شاملة تقوم بالدعم لكل خير يكفل الأمن والسلام في ربوع المجتمع الإسلامي ، ومثلا على ذلك زيارة الهيئة العامة للشؤون الإسلامية التي تشهد نهضة مباركة ومنها وجود هيئة الإفتاء من الرجال والنساء جنبا إلى جنب، لافتا إلى أن الوطن لا ينهض إلا بجناحين الرجل والمرأة ومثال على ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام عندما بعث وهاجر إلى المدينة وشرع في بناء المسجد النبوي خصص بابا للنساء.
وقال نحن أصبحنا في عصر يتطلب تخصصات دقيقة في كل علم من العلوم، والإسلام أعطى المرأة دورا رائدا و كبيرا والإمارات كانت رائدة في العصر الحالي من خلال المواقع والمناصب والمهام التي تولتها وتؤديها المرأة، أضف إلى ذلك الدور العظيم الذي تؤديه في تربية أولادها وتنشئتهم التنشئة الصحيحة من الخلال الإشراف المباشر والذي عندما غابت عن أسرتها لحظنا الغلو والتطرف وغيره من العادات السيئة. وأشار الدكتور حمدان بن مسلم المزروعي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف إلى أن التطرق إلى ظواهر الطرف والغلو تعد من الظواهر التي يجب أن يوقف للحد منها وقفه حازمة والإمارات تقوم بعلاجها بشكل متميز ومتفرد وعلى سبيل المثال ظاهرة الغلو وعلاقتها بخطبة الجمعة والمسلمين يأتون للصلاة يوم الجمعة ولنا أن نتخيل لو ترك الأمر للخصيب ودون ضبط لما يقوله ويغذي به أفكار الناس والدول الإسلامية لها العديد من التجارب والخطط لخطبة الجمعة.
ولكن في الإمارات وجدت الخطبة الموحدة وهنا يقوم لجنة متخصصة من العلماء بتحديد موعد وزمن الخطبة، وفي الدولة الخطبة تضعها لجنة متخصصة من العلماء تقوم باختيار الموضوع واختيار الوقت المناسب للحديث عنه.
وربما يسألون ما علاقة ما أتطرق إليه ومواضيع المناقشة واستشهد بهذا المثال عندما وقعت الهجمة الشرسة على سيدنا صلى الله عليه وسلم وفي بعض الدول الإسلامية خرجت مظاهرات ولوحظ أن اغلبها كان بعد صلاة الجمعة ما يعني أنهم تأثروا بالدرجة الأول بنوع الخطبة وقاموا بإعمال أسأت بقدر ما خدمت قضيتهم.
يسروا ولا تعسروا : الشيخ عبداللطيف: الوسطية وأخلاق المسلم
أكد فضيلة الشيخ شوقي عبد اللطيف وكيل وزارة الأوقاف المصرية على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعشق الوسطية ويدعو إليها ليل ونهار، وبشرت بها الكتب السماوية السابقة التي أشارت إلى النبي الأمي وتؤكد على أنه يسعى إلى تحقيق الوسطية وكان يرسل الرسل مبشرين ومنذرين ويقول لهم يسروا ولا تعسروا بشروا ولا تنفروا، وتقول عائشة رضي الله عنها ما خير الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن اثما.
وارتبطت الوسطية بالمعاملات فحينما فرض الله عز وجل على الناس الحج فقال رجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم يقول أكل عام يا رسول الله، وصلى الله عليه وسلم يلتزم الصمت في الأولى والثانية والثالثة ثم قال صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم.
كما قال سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام هلك المتنطعين وينطبق الوصف على الرجل الذي دخل على الإمام مالك وسأله عن كيفية استوى الرحمن على العرش، فاطرق الإمام مالك وقال عجبا من شأن هذا الرجل ومن تشدده.
العين: سليم المستكا


