يخاطب صاحبه منفعلا « يا أخي ذبحتنا بالمجدرة» بينما كان محمد شاهين يصر على شراء مستلزمات وجبة الإفطار كاملة حتى لو تأخر الوقت، فطبق المجدرة لا يكتمل ما لم تكتمل مكوناته، وكان التوتر باديا على المتسوقين العزاب الذين يجدون أنفسهم في رمضان أمام القدور والمقالي في معركة مع الوقت ومع الخبرة لإنجاز طبخة يمكن أن يفطر بها الصائمون من دون أن تتسبب في عسر الهضم أو اللجوء إلى أقرب مطعم.
فكيف يدبر الصائمون العزاب أمورهم في رمضان؟ ومن أين يكتسبون مهارات الطبخ لإعداد وجباتهم؟ وكيف يتعامل محيطهم معهم؟ قاسم سعودي عراقي له محاولات وتجارب في ميدان الطبخ يقول فيها« يمثل الإفطار في الشهر الفضيل صعوبة خاصة لأني لا استطيع تحضير أكثر من وجبة فخبراتي في الطبخ لا تتجاوز تحضير الدجاج وبعض المقالي البسيطة، بينما أمضيت ستة شهور من المحاولات والتجارب المستمرة لطبخ الرز حتى وصلت إلى كمية الماء الصحيحة، وقد تحمست للطبخ في أيام رمضان الأولى ولكن ما أن وصلت إلى اليوم الثالث من الشهر الفضيل حتى قررت تناول الإفطار في المطعم وتجنب تعقيدات المطبخ وتفاصيله الكثيرة.
بينما يقول مهند علي فلسطيني موظف حسابات (جئت من غزة منذ ثمانية شهور، وشعرت بصعوبة رمضان هنا لأنها المرة الأولى التي أكون فيها بعيدا عن أسرتي وطبخ الوالدة، لكني أعيش مع مجموعة من الأصدقاء الذين تعودوا حياة العزوبية وهم يحضرون طعامهم في رمضان ويتجنبون اللجوء إلى المطاعم، لكني افتقدت بعض الأكلات التي كانت والدتي تعدها في رمضان وقد اتصلت بها لأعرف منها وصفة الرز بالحليب، ونحن كذلك لا نستطيع تحضير الوجبات أو الحلويات التي تحتاج إلى فرن كوننا لا نمتلكه، وحياة العزاب هنا صعبة لأن أجواء العائلة غير موجودة ويكون افتقادها أكثر وضوحا في رمضان).
و لإبراهيم عطا الشاعر فلسطيني تجربة أخرى في التنقل بين البلدان وقضاء الشهر الفضيل فيها حيث يقول (ولدت وعشت في السعودية مع أهلي وسافرت إلى فلسطين للدراسة، وهناك وجدت رمضان مختلفا جدا حيث الروابط الاجتماعية قوية جدا وشعرت أني بين أهلي فالكل يسأل عني ويتفقدني على الرغم من أني أعيش وحدي هناك وحين عدت وحصلت على عملي في الإمارات اختلفت الأمور حيث لا نرى جيراننا ولا أحد يسلم علينا فنحن العزاب نعيش في عزلة تامة عن المجتمع.
وقد تعودنا أنا وزملائي في السكن على تلك العزلة وبدأنا محاولاتنا في الطبخ وفي تدبير أمور إفطارنا، وأنا أطبخ بعض الأشياء لكني أجيد البيض المقلي أكثر من أي شيء، وبالعادة يكون هناك شخص واحد يطبخ وهو صديقنا ياسر ونحن نساعده في اعداد السلطات أو العصير أو تنظيف الصحون، وأحيانا اتصل بوالدتي لأسألها عن وصفات الكبسة السعودية والبرياني وبعض الأكلات الأخرى التي لا نعرف كيفية تحضيرها، ومن الطبيعي أن تنشأ خلافات صغيرة حول توزيع مهام العمل البيتية بن الشباب).
أما ياسر عبد الهادي حلس فلسطيني فهو قائد مجموعة العزاب في سكنهم إذ تولى أمور إدارة البيت والطبخ وهو يبرر الأمر بقوله كوني الأكبر سنا بين الشباب فقد أخذت على عاتقي ترتيب الأمور المالية وتنظيم البيت، إضافة إلى موضوع الطبخ الذي أجيده بسبب حبي له، فقد كنت أشاهد والدتي وبعدها زوجتي وهما تحضران الطعام فأتعلم طرقها بدون أن أسألهما إلا عن أشياء بسيطة، كذلك أتابع برامج الطبخ العربية لأستفيد منها.
وفي رمضان أكتب قائمة بالأشياء التي نحتاجها، حيث نجمع من كل شخص مبلغا معينا أسبوعيا ونقوم بعملية التسوق لاحتياجات البيت وما نعده في الإفطار، وحين ابدأ بالطبخ ويكون هناك شيء ناقص أطلب من أحد الشباب أن يحضره من الدكان بسرعة لكني أحرص على أن تكون مواد الإفطار جميعها موجودة عندي، ولكن صعوبة رمضان .
هنا تأتي من عدم وجود علاقات اجتماعية فنحن جميعا نعيش بعيدا عن أسرنا، وليس هناك أصدقاء أو أقارب يمكن التواصل معهم هنا، إضافة إلى أن علاقات الجيران تكاد تكون معدومة بينهم والنظرة إلى العزاب تبعدهم عن أي نشاط اجتماعي أو تواصل مع الآخرين).
أما نائل سليمان سوري فهو اكثر حظا من زملائه العزاب في رمضان حيث يقول (صحيح أنا أعيش مع أصدقائي في سكن العزاب لكنني محظوظ بوجود أختي مع أسرتها هنا حيث ترفض رفضا قاطعا أن أفطر في غير بيتها، بصراحة طبخها قريب جدا من طبخ والدتي لذا أشعر أني أفضل حالا من أصدقائي في موضوع مائدة الافطار لكن الشعور بالغربة والبعد عن الأهل هو شعور عام لجميع الناس الذين يعيشون بعيدا عن بلدانهم سواء أكانوا متزوجين أم عزابا لذا نحاول تقبل الأمر وعدم الاستسلام لمشاعر الوحدة في هذا الشهر الفضيل).
الفتيات إجادة للطبخ ومعركة مع العزلة
وتواجه الفتيات العازبات صعوبات أخرى في رمضان غير الطبخ حيث تدعي معظم النساء إتقان الطبخ والإبداع فيه، فتقول رولا علاء لبنانية (مشكلتي ليست في الطبخ ولكن الرغبة فيه فأنا لا يمكن أن أطبخ لنفسي فقط ولا أستطيع تناول إفطاري وحدي في رمضان، لذا فاليوم الذي أكون فيه وحيدة يمر صعبا ثقيلا، وغالبا أدعو صديقاتي للإفطار معي أو أذهب معهن).
أما لندا سلام سورية فتقول(في رمضان يكون الابتعاد عن الأهل صعبا، لكني أدلل نفسي في هذا الشهر فأعد الأطعمة الشامية المميزة وأقيم جوا رمضانيا مميزا مع صديقاتي في السكن، ونصور أنفسنا على الفطور لأرسل الصور إلى أمي عن طريق الانترنت فلا تقلق علي في هذا الشهر، وأيام شهر رمضان تمر بسرعة لذا علينا أن نستقبلها بما يناسبها من عبادة ومن رضا بما قسمه الله سبحانه وتعالى لنا).
جوهر رمضان
لكي لا تشكل حياة العزاب في رمضان ضغطا نفسيا عليهم ينصح الدكتور علي الحرجان أخصائي الطب النفسي الصائمين العزاب (إلى النظر إلى فضائل الشهر الكريم كونه شهر تعبد وعلاقة روحية مع الخالق وحالة من الابتعاد عن الملذات وهذه المفاهيم وجوهر الصيام لها فائدة عظيمة جسمية وروحية لابد أن يستفيد منها الإنسان في الشهر الفضيل، فهي تدعمه وتجعله يتجاوز الشعور العزلة والوحدة.
فبالرغم من أن شهر رمضان يحمل طابع التجمع الأسري فان حياة الصائم بالغربة يجب أن تعطيه إيماناً أقوى، وحين يترك الإنسان مقارنة الحياة بعيدا عن الأهل بالحياة قربهم سيستطيع تجنب التوتر والقلق النفسي الذي يمكن أن يسيطر عليه ويعطل صيامه، ونحن كذلك ندعو الأسر ومؤسسات المجتمع المختلفة بالنظر إلى العزاب نظرة إيجابية عن طريق دعواتهم إلى جلسات الإفطار والسحور وعدم نبذهم والابتعاد عنهم)
دلال جويد

