رفض عدد من علماء الأزهر وشيوخه فتوى الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى السعودي والتي أثارت جدلا غير مسبوق والتي دعا فيها إلى قتل أصحاب القنوات الفضائية التي تبث برامج تحث على الفتنة والفساد والسحر والشعوذة.

ولم يخفت الجدل حتى بعد أن عاد وخصص بفتواه قنوات السحر والشعوذة، دون الترفيهية والمنوعة منها، ومن ثم تأكيده أن فتوى القتل التي أطلقها منوط بها الجهات الحكومية وليس الأفراد. وقالوا إن مثل هذه الفتاوى لا فائدة منها، ومن الأفضل التركيز على القضايا التي تهم المسلمين، مؤكدين أن الإسلام حرم قتل النفس وجعلها من أكبر الكبائر.. «البيان» استطلعت آراء عدد من شيوخ الأزهر حول الفتوى.

فإلى التفاصيل:

في البداية ندد د. أحمد السايح أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر بالفتوى، ووصفها بأنها تعطي الضوء الأخضر للقتلة بغطاء شرعي، مشيرا إلى أن الله سبحانه وتعالى حرم قتل النفس البشرية إلا بالحق فقال {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} .

ومن ثم فإن فتوى اللحيدان مخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى الذي جعل للنفس البشرية قدسية ومكانة عظيمة، ومثل هذه الفتوى لا تصلح للخروج عن جاهل، فضلا عن خروجها من عالم جليل يجلس على كرسي هيئة رفيعة المستوى وفي دولة إسلامية ذات مكانة خاصة في قلب كل مسلم، مشددا على أن مثل هذه الفتاوى تسيء إلى الإسلام ولا تخدمه.

بينما أوضح د. عبدالفتاح علام أستاذ الفقه المقارن أن القنوات الفضائية ليست كلها شرا، وليست كلها تقدم برامج ومسلسلات وأفلاما خليعة، فهناك قنوات محترمة تقدم برامج هادفة في الدين والسياسة والأدب تساهم بشكل فعال في بناء فكر وثقافة المجتمع، وبناء على ذلك يظهر بوضوح فساد فتوى اللحيدان.

خاصة أن هذه القنوات تعمل وفق قوانين منظمة تتولى الإشراف عليها جهات رقابية، وبالقوانين يتم محاسبة وعقاب المخطئين أو من يثبت تورطه في بث مواد مخلة بالآداب أو مخالفة للشريعة الإسلامية وليس بالفتاوى التي يمكن أن يستغلها أعداء الإسلام للكيد له.

مشددا على ضرورة تراجع اللحيدان عن فتواه والاستغفار إلى الله سبحانه وليس فقط قصرها على قنوات السحر والشعوذة، قائلا: ليس عيبا أن يخطئ العالم، لكن العيب أن يستمر على خطئه، وطالما ثبت فساد الفتوى وفساد الاستدلال الذي بنيت عليه فعليه التراجع فورا عن فتواه، وأن يسأل الله العفو والمغفرة.

أما د. عبدالمعطي بيومي العميد السابق لكلية أصول الدين فأكد أن الإسلام لم يعط الحق لأحد في إصدار الأحكام وتكفير من شاء وفي أي وقت شاء، لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن في القرآن الكريم كل الأحكام التي أوجبها على المسلمين، ثم جاءت السنة لتوضح ما خفي على المسلمين من أحكام، فلا يوجد أي نص شرعي يبيح قتل أصحاب الفضائيات على اعتبار أنهم ينشرون الفساد بين المسلمين.

داعيا إلى ضرورة التحاور مع أصحاب هذه الفضائيات بدلا من تكفيرهم وإطلاق الفتاوى المطالبة بقتلهم، ومحاولة تعريفهم بالصواب والخطأ ليزول عنهم العذر بالجهل. أما هذه الفتوى فتعتبر سبة واهانة في حق الإسلام،.

ووصمة عار في حق كل مسلم، لأنها تظهر الإسلام أمام الغرب وكأنه دين يهوى إراقة الدماء، وهذا يتفق تماما مع ما يردده علماء الغرب، والمستشرقون الذين يهاجمون الإسلام، ويقولون إنه جاء لسفك الدماء، ثم نأتي نحن ونعطيهم السكين التي يقتلوننا بها من خلال هذه الفتاوى غير المسؤولة.

د. عبدالفتاح إدريس أستاذ الحديث بكلية أصول الدين أكد بدوره أن دم المسلم محرم، فلا يجوز قتله إلا في حالة واحدة وهي القصاص، كما قال تعالى {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} وفي قوله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له}.

من ثم لا يجوز لأي إنسان كائنا من كان أن يأمر أو يبيح قتل المسلم سوى في هذه الحالة الوحيدة فقط وهي حالة القصاص، والقول بأن أصحاب بعض القنوات الفضائية مفسدون قول حق يراد به باطل، فإذا كان أصحاب القنوات ينشرون الفساد فحسابهم على الله، ومن المستحيل أن يكون الحل هو قتلهم، بينما الإسلام دين يظهر فيه واضحا جليا الحرص على حفظ النفس الإنسانية لجميع البشر.

حماية النفس

ويحظر على كل إنسان أن يمس بتلك النفس على نحو يؤذيها أو يهلكها، أو يلحق تلفا بها من أي نوع. بل إنه الدين الذي يعلن في وضوح وصراحة حمايته لجميع حقوق الإنسان وعلى رأسها حماية النفس البشرية، فالإسلام يحمي الكيان الآدمي لكل إنسان بصرف النظر عن دينه ومعتقده أو جنسه أو لونه. لأنه أي الآدمي «بناء الرب ملعون مَنْ هدمه».

كما جاء في الأثر، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» وبالتالي لا يمكن أبدا الالتفات إلى مثل هذه الفتوى المشبوهة التي تضر الإسلام ولا تفيده.

القاهرة - دار الإعلام العربية