يعكف عدد من الناس وبصورة خاصة بعض الموظفين إلى تخصيص أيام وليالي شهر رمضان المبارك إلى السهر. لتنقلب ساعات الليل إلى نهار لتنعكس الساعة البيولوجية لدى الأغلبية على مناشط الحياة طوال الشهر الفضيل. حيث يستغل الجميع فارق تقليص ساعات الدوام التي لا تزيد على 7 ساعات للنوم لتعويض ساعات السهر الرمضانية. فهل حقاً رمضان هو شهر الكسل؟ وهل السهر ضرورة متلازمة فيه؟.
ويختلف الكثير من الموظفين حول الدوام المناسب خلال شهر رمضان المبارك، حيث أشار البعض إلى أن وقت الظهيرة اعتبارا من الحادية عشرة ظهرا حتى الرابعة عصرا الأنسب وذلك حتى يتمكنوا من النوم قليلا بعد صلاة الفجر، كما انهم يعتقدون أن أوقات العمل في الشهر الفضيل أقل مما هو عليه في الأيام العادية. وأشار عدد آخر من الموظفين أن وقت الدوام الحالي مناسب، فالدوام المتأخر لا يفيد الموظف في سرعة الرجوع للبيت والنوم في سويعات الظهيرة. فهم يجدون أن الثامنة أو التاسعة صباحا الوقت المناسب للدوام، بحيث ينتهي في الثانية ظهرا على أبعد تقدير، الأمر الذي يفيدهم في التخلص من مفهوم رمضان شهر النوم والسهر خاصة في ظل تأخير الدوام.
إلا أن تغيير الساعة البيولوجية كما أشارت إليها التقارير الطبية مازال يتسبب في كثير من السلبيات التي تنعكس آثارها على الفرد والمجتمع، الأمر الذي يجعل البحث عن حلول ضرورة قصوى لتفادي إشكاليات النوم في الدوام على سبيل المثال، وعدم الالتزام بالعمل المناط بكل فرد مما يحول المكاتب إلى حالة أشبه بغرف نوم بدلا من أن يدب النشاط والانتعاش ويتم العمل بآلية أسرع.
كما يشكل إفطار رمضان هاجساً حقيقياً للعاملات في القطاعات المختلفة لاسيما وان الدوام ينتهي في وقت حرج لا يسعف المرأة المتزوجة بالذات في إعداد أصناف المائدة الرمضانية المتنوعة لأسرتها، لذلك تجد أن المرأة العاملة تكون عالقة في زحام مواعيد العمل وإعداد الطعام والمذاكرة لأبنائها وأداء العبادات، إلى جانب استضافتهم لبعض الصائمين من الأهل والأقارب والأصدقاء في هذا الشهر المبارك، إضافة إلى الرغبة في تمضية الوقت ما يجعلها تسهر حتى وقت متأخر. وأشارت مريم راشد - موظفة حكومية - إلى أنها تقدمت لإجازة كي تتفرغ لهذا الشهر، لكنها لم توفق في ذلك لان العمل بحاجة إلى تواجد جميع الموظفين على اعتبار هذا الشهر بداية عودة الناس إلى أعمالهم بعد إجازات.
وقالت المواطنة مريم حسن موظفة في إحدى الدوائر بأن الدوام الحالي من الساعة العاشرة وحتى الثانية ظهرا لا يستفيد منه الموظف إطلاقا لاستحالة تمتعه بالنوم قبل صلاة العصر أو حتى بعد الصلاة نظرا لقيامها بتجهيز سفرة الفطور، وفي الوقت ذاته بأن الوقت في رمضان يمر بصورة سريعة ويشهد زيارات مفاجئة وتقضية احتياجات أساسية. فلا وقت للراحة حتى ساعة متأخرة من الليل، لذا تدعو إلى الدوام الأبكر بعد صلاة الفجر أي الساعة السادسة صباحا لينتهي مع صلاة الظهر.
وفي الإطار ذاته قال سعيد سالم - موظف حكومي - إن الجو في رمضان يشجع على السهر ليلا لما في أجوائه من الراحة والأمن والسكينة التي تساعد على عدم النوم مبكرا. وعن نفسه قال: إنني أسهر يومياً حتى موعد صلاة الفجر ثم أخلد إلى النوم حوالي السادسة صباحا، ثم الاستيقاظ للذهاب إلى العمل. وأقرّ بعدم قدرته على العمل وأداء واجبه على أكمل وجه كما في الأيام العادية، وفي بعض الأيام لا يتمكن من مواصلة العمل حتى نهاية الدوام، فيختلق الأعذار للعودة إلى البيت ويكمل النوم حتى موعد الإفطار. لافتا إلى أن قلة النوم هي التي تجعل الإنسان يشعر بالكسل.
أين الضرورة؟
ومن جهة أخرى تساءلت خولة عبدالله - معلمة - هل السهر ضرورة في رمضان لنهدم الساعة البيولوجية والتي يتطلب أمر إعادتها فترة طويلة إلى جانب ما قد تسببه من أمراض ومضاعفات جسدية قد تطول إلى ما بعد رمضان، فالأمر لا يتوقف عند ذلك فمن الملاحظ مؤخرا خلال رمضان تجمع بعض المراهقين لساعات متأخرة من الليل دون أي اعتبار لراحة جسدهم ومسؤولياتهم تجاه أنفسهم وعائلاتهم وروابطهم الاجتماعية. لافتة إلى أن الفتوحات الإسلامية تمت في رمضان وأكبرها غزوة بدر، فشهر رمضان شهر إعادة الحسابات وترتيب أمور الحياة، فمن المفترض على الإنسان أن ينظم وقته بصورة سليمة وأن ينشط فيه ويبذل كل ما بوسعه للطاعة والعبادة، بدلا من الخلود للنوم والسهر.
وفي الإثباتات الدينية أمر الله تعالى الناس بعبادته وحث على تلاوة كتابه ودراسته، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». حيث كان النبي صلوات الله والسلام عليه إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أحيا ليلها وحث أهله وأمته على ذلك، فمن فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله ورجاء ثوابه فله أجر عظيم.
وأوضحت التقارير الطبية عن اختلاف روتين الحياة في رمضان عن بقية الشهور الأخرى، كما بينت بأن الجسم عادة يقاوم الإنسان لدى إجراء تغيير في مواعيد النوم مما قد يؤدي إلى ظهور أعراض اضطرابات النوم لدى بعض الصائمين.
وأكدت البدري أن عادات السهر في رمضان هي عادات خاطئة بلا شك، لاسيما أنها تستتبع ظهور العديد من الآثار السلبية في حياة الصائمين من أهمها: الاضطراب الذهني والعصبي وعدم القدرة على التركيز، إضافة إلى اضطراب المزاج، والأرق، والعصبية.
إلى جانب الخمول الجسماني والفتور البدني وتأثيره على الجهاز الدموي والشرايين والضغط فضلا عن الإضرابات الهضمية ومساهمته في زيادة الوزن فقلة النوم تساعد على تناول كميات كبيرة من الأطعمة والوجبات فكل ذلك يساعد على انخفاض نشاط المرء اليومي سواء أكان موظفاً أو طالباً. حيث نصحت بدري بالاتزان في مواعيد النوم وإعطاء البدن حقه من الراحة، مبينة أن اخذ الصائم كفايته من النوم دون إفراط أمر يساعده على مزاولة عمله الوظيفي بقدر من الراحة والإتقان.
تحذير طبي
حذرت الدكتورة سوزان البدري من ممارسة عادة السهر إلى ساعات متأخرة تفوق الحد المعقول. فمعدل النوم للإنسان البالغ والطبيعي ألا يقل عن 5 ساعات يوميا وبصورة متواصلة وإلا تعرض لاضطرابات عصبية وبدنية. مشيرة بأن لدى أغلبية الناس في رمضان عادة الإفراط في السهر في رمضان ما يؤثر على مجريات حياة الصائم وعلى مزاولته للأنشطة والمسؤوليات اليومية.
وأكدت الدكتورة سوزان أن السهر دون جهد بدني وذهني والذي يتمثل في الروحانية من التأمل و العبادة وقراءة القرآن يساعد على الراحة والاسترخاء وإن قل معدل النوم إلا أنه يتطلب نوم 4 ساعات متواصلة حتى يشعر الإنسان بالراحة والقدرة على العمل، بالعكس منه إذا ما تم مقارنة السهر في ممارسة نشاطات ذهنية وعصبية مثل مشاهدة التلفاز والرقص والعمل على الكمبيوتر وغيرها من الأمور المجهدة عضلياً وحسياً.
ناهد مبارك

