أثارت الفتوى التركية بشأن وضع الصائم لاصقًا طبيًا يمنحه شعورا بالشبع ويمنع عنه الإحساس بالجوع والعطش في فترة الصيام ردود فعل متباينة وجدلا وسط علماء الدين.. إذا أباح البعض هذا اللاصق باعتباره لا يبطل الصيام، بينما رفضه البعض الآخر وحرمه بحجة أن هذا اللاصق يتدخل ليفسد على المسلم إحساسه بالصوم وبرونق عبادته مع الله.
كان الدكتور يوسف القرضاوي ـ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بحسب موقعه على الإنترنت قد أكد أن استخدام الإنسان لاصقًا طبيًا في نهار رمضان يفقده الشهية للتقليل من شعوره بالجوع والإجهاد طوال الصوم أمر مكروه لكنه لا يبطل الصوم، لافتًا إلى أن استعمال هذا اللاصق يقلل من الحكمة التي أرادها الشرع من الصوم مثل تحمل المشقة والشعور بمعاناة الفقراء والامتثال لأمر الله.
إلى هنا اعتبر د. عبدالفتاح إدريس - أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أن هذا يتوقف على تأثير هذا اللاصق الطبي هل يقطع الإحساس بالألم مثل المواد المخدرة التي تعطي للمرضى أو لمن تجرى لهم عمليات جراحية فإذا كان هذا اللاصق يقطع دائرة الشعور بالجوع والعطش ويمنع الإشارة من مراكز المخ العليا إلى المعدة فلا يشعر الصائم بالجوع أو العطش فهذا ليس من شأنه إفساد الصيام، ولكنه يمنع وصول الحكمة من مشروعية الصيام إلى نفس الصائم.
أما إذا كان هذا اللاصق يحتوي على مواد غذائية يستفيد منها الجسم فتقويه ويستغني به عن الأكل والشرب فإن هذا اللاصق من شأنه إفساد الصيام إذا احتوى على هذه المادة، أيضا إذا كانت مادة مغذية يمتصها الجسم وتغني عن الأكل والشرب تكون مفسدة للصيام لأن الجلد يمتص هذه المواد الغذائية ويصل إلى الجوف.
من جهته يرى د.محمد رأفت عثمان - عضو مجمع البحوث الإسلامية أن الحكمة من الصيام هي إحداث التقوى عند الصيام، ومعنى التقوى أن يتقي الإنسان ربه عز وجل، ولا يكون ذلك إلا بالامتثال لما أمر الله به واجتناب ما نهاه عنه فهذه هي التقوى التي هي الحكمة من الصيام، فالله سبحانه وتعالى يقول{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، وإذا كانت التقوى هي الهدف وهي المقصد من الصيام فإن التقوى لا تكون كاملة إلا بالإحساس الفعلي بالعبادة التي قصد بها إحداث التقوى وهو الصيام، لافتًا إلى أنه إذا اتخذ الإنسان لاصقًا يمنع الإحساس بهذه العبادة فإن هذا يقلل من أثر العبادة فيه.
ويضيف: لا أقول أن هذا حرام ويبطل الصوم لأن القول بالحرمة يحتاج إلى تأنٍ في الفتوى ولا أقول إن هذا العمل مكروه، وأنه يقلل من ثواب الصيام، وقد علمنا علماؤنا أن الإقدام على الفتوى بالتحريم يحسن التريث فيه، ولهذا أورد عن أحد أئمة الفقه الإسلامي الكبار وهو الإمام مالك رضي الله عنه أنه كان لا يتوسع في قوله في الإفتاء بالحرمة، وإنما ورد عنه أنه كان يقول في كثير من المواضع أكره ذلك، وأنا أقتدي بهذا الإمام في فتوى في هذا العمل. فأقول كما قال مالك في غيره «أكره ذلك».
وأقول إنني أرى أن هذا العمل يدخل في باب المكروه، ولا يتأكد عندي الحرمة حتى أفتي بها. ويستطرد أستاذ الفقه الإسلامي: ليس هناك شك في أن هذا الفعل يعد من الشبهات، وقد دلت نصوص الشرع في الأحاديث الشريفة على اجتناب الشبهات وأن يستبرئ الإنسان منها لأن في ذلك احتياطا في أمور الدين حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين وبينهم مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أنه بواقعه، ألا إن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه».
أما د. عبدالفتاح الشيخ - رئيس لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية فيرى أن هناك تعريفا للصيام هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ومن هذا التعريف يتبين أنه لا يجوز لأحد أن يدخل في بطنه شيئا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كذلك لا يجوز له أن يقضي شهواته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وهذا التعريف أيضًا يبين أن الجوع ليس شرطًا من شروط صحة الصوم لذا لو كان كذلك لاشترطنا على الصائم أن يتسحر سحورًا خفيفًا ليجوع نهارًا، ولا منعناه من أن يأكل في السحور طعامًا وقيمة غذائية عالية يحول بينه وبين الجوع في نهار رمضان، ومثال ذلك لو أكل الإنسان خروفا في السحور وقبل الفجر أكل مرة ثانية فإنه يظل حتى موعد الإفطار غير جوعان، متسائلاً: هل أقول له أنت مفطر ومن هذا يتبين أن وضع اللاصق على الجسد لمنع الإنسان من الجوع ليس فيه ما يبطل الصوم لأن الجوع ليس شرطًا في صحة الصوم، مؤكدا أن الجوع حكمه من الحكم التي من أجلها شرع الصوم وانعدام الحكمة لا يؤثر في الحكم.
وإنما الذي يؤثر في الحكم الشرعي العلة التي من أجلها فرض الصوم، لكني أنصح المسلم بألا يستخدم هذه الوسيلة لأن استخدامها يلغي بعض حكم الصوم وهو الشعور بالجوع حتى يشعر بحاجة الفقراء الذين لا يجدون قوتهم ويجوعون. لكن المفكر الإسلامي د. عبدالصبور شاهين يشير إلى أن هذا اللاصق من شأنه أن يلغي حكمة الصيام، لأن الصيام معناه الإحساس بالجوع والعطش والإمساك عن الطعام والشراب والجماع، فإذا كان هذا يمنع الإحساس بالجوع والعطش ليجعل الرجل يمنع عنه معاشرة زوجته مشيرًا إلى احتمال أن يكون هذا اللاصق له أثرا طبيا مغذيا، وهذه مسألة خطيرة تحتاج إلى بحث ودراسة ومعرفة السلبيات.
ألم الآخرين
نفس الرأي يتفق معه الشيخ مصطفى عبدالهادي - إمام مسجد الهدى بوسط العاصمة القاهرة، حيث يقول إنه لا يجوز للإنسان الصائم أن يستخدم أي شيء يشعره بالشبع لأن مثل هذا يؤدي إلى انتفاء الحكمة من الصيام وهي الإحساس بالجوع والعطش الذي يؤدي إلى إحساس الإنسان بألم الآخرين حيث إن هذا اللاصق يتدخل فيما يفسد على المسلم الإحساس برونق عبادته مع الله سبحانه وتعالى.
