قال عنها رسول الله وهو يناجى قبرها : «إنّ القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر أمي آمنه بنت وهب وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي» هي آمنة بنت وهب بن لؤي بن غالب بن فهر، سيدة أمهات العالمين، وأم خاتم الأنبياء والمرسلين، وطُهر العرب وفخر قريش وعطر بني الزهرة.
أما نسبها من الأم لم يكن أقل شرفاً وعراقة ، ومن هذه السلالة العريقة الأصيلة أُنبتت الفاضلة الشريفة «آمنة» لتضطلع بعبئها الجليل في أمومتها التاريخية لخاتم الأنبياء والمرسلين.
«لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما».
وفي صحيح الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«ان الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم».
وفى يوم مشرق وضاء انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله ـ إثر افتدائه من الذبح - فخرج حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا فطلب يد سليلة الأصل والشرف والتي كانت يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا «آمنة بنت وهب» الزهرية القريشية لابنه زينة شباب قومه الذي عُرف عنه جمال الخلق والخلق «عبدالله بن عبد المطلب».... فتم الزواج الميمون واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها كان عبد الله أثناءها يقيم مع عروسه في دار أبيها على سنة القوم ثم توجهت إلى دار زوجها في اليوم الرابع.
وما أن استقرت العروس في بيتها الجديد، وغمضت عيناها، حتى رأت السيدة آمنة رضي الله عنها في منامها كأن شعاعا من النور ينبثق من كيانها اللطيف فيضئ الدنيا من حولها حتى لكأنها ترى به بِصرى من أرض الشام وسمعت هاتفا يهتف بها :
«انك قد حملت بسيد هذه الأمة».
وما هي إلا أيام معدودات لم يحددها الرواة ولكنها عند جمهرة المؤرخين لم تتجاوز عشرة أيام ورحل عبد الله تاركا عروسه ليلحق بالقافلة التجارية المسافرة إلى غزة والشام في عير قريش حيث خشي العريس القرشي ان يُتهم بالكسل بعد زواجه. ومضت الأيام ثقيلة في غياب عبد الله، الذي توفي بين أخواله من بني النجار ودُفن بالمدينة حيث كانت تعرف بيثرب، وترملت العروس الشابة وعاشت في وحدتها تجتر أحزانها...
حتى خاف عليها بنو هاشم وبنو زهرة ان تموت من فرط الحزن والألم؛ إلى أن أنزل الله سكينته عليها فشغل تفكيرها بابنها الذي تحمله والذي رأت في منامها انه سيكون سيد هذه الأمة.
وجاء عام الفيل وسمعت آمنة بقدوم «أبرهة الأشرم» في جيش عظيم لهدم الكعبة وجاءها عبد المطلب يطلب اليها ان تتهيأ للخروج من مكة مع قريش، وشق عليها ان تلد ولدها بعيدا عن البلد الحرام وفي غير دار أبيه عبد الله ولكنها كانت مؤمنة بأن الله مانع بيته ولن يجعل للطاغية على البلد الحرام سبيلا.
ومضى اليوم دون ان يأتيها رسول أبي طالب ليأخذها بعيدا عن مكة إلى ان غابت الشمس فجاءتها البشرى بهزيمة ابرهة ونجاة قريش، وكانت الرؤى قد عاودت آمنة في صدر ليلة مقمرة من ليالي ربيع الأول وسمعت من يهتف بها من جديد انها توشك ان تلد سيد هذه الأمة ويأمرها ان تقول حين تضعه أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم تسميه محمدا وما هي إلا أيام قليلة من يوم الفيل حتى ولدت آمنة في دار أبي طالب بشعب بني هاشم. وقد روُي عن السيدة آمنة رضي الله عنها انها قالت:
«رأيت كأن شهابا خرج مني حتى أضاءت منه قصور الشام». وأقبلت الأم على صغيرها تُرضعه ريثما تفد المراضع من البادية ولكن الأحزان لم تتركها فجف لبنها رضي الله عنها بعد أيام فدفعت به إلى ثويبة جارية عمه عبد العزى فأرضعته، وكانت قبله قد أرضعت عمه حمزة بن عبد المطلب. ووفدت المرضعات من البادية ولكنهن زهدن في الرضيع الذي مات أبوه، إلى ان جاءتها حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي تلتمس محمدا لترضعه.
جهان متولي
