شهر رمضان ليس كباقي شهور العام كذلك أيضا أيامه ولياليه يقضيها المسلم صوما وإمساكا على كل ما نهى الله عنه سبحانه وتعالى، إلا أن هناك ظاهرة لا يشعر بها المسلم إلا وهو صائم سواء في نهار رمضان أم لياليه وهي الشعور بطمأنينة روحية وإحساس بأمن نفسي داخلي لم يشعر به طوال شهور العام.. ما فرض تساؤلا عن أسباب هذه الطمأنينة وهذا الإحساس.. طرحناه على أساتذة الطب النفسي.. فماذا قالوا؟
د. أحمد جمال أبوالعزائم خبير الطب النفسي أكد أنه قد ثبت علميا أن الصيام علاج بدني وروحي فالإنسان في شهر رمضان عرضه للمساءلة الذاتية وتقديم الاستجوابات العاجلة إلى نفسه، وقد تكون محرجة إلى نفسه.
ويرى أن الصيام هو اختراق لأشياء عادية وطبيعية في عادة «الطعام»، ويؤدي إلى التأكيد على قوة الذات، فالطفل الذي يصوم أول مرة يلقى تأييدا من أفراد حوله فهو يؤكد على نمو شخصيته وقيادة حياته، فالإنسان له ثلاثة محاور الأول محور الهمة التي تتأكد مع الصيام.
والثاني محور العلاقة الاجتماعية وتتأكد مع الصيام أيضا حيث تزيد مهاراته الاجتماعية من خلال لقاءاته المتعددة مع الصلاة ومع أسرته الصغيرة وتزداد حميمية العلاقة الأسرية مع الصيام حيث الكل سواسية أمام الجوع. أما المحور الثالث وهو الإبداع، حيث يرى د. أبوالعزائم أن التوقف والانشغال عن الطعام يؤدي إلى التفرغ في قدرة الإنسان على الإبداع خاصة «الإبداع الاجتماعي»، وتتكون لديه قدرات اجتماعية مثل الحث على فضيلة التعاون والخروج من منطق «عض قلبي ولا تعض رغيفي».
ويأتي شهر رمضان ليشعر معه الصائم بالأمن النفسي الحقيقي حيث تصبح القاعدة «خذ رغيفي» هي الأساس ويشعر المسلم الصائم بصفاء الذاكرة والأيام الطيبة في لقاءات الأهل والأصدقاء التي تعود معها ذاكرة الأيام الطيبة في رمضان، وتطغي على الذكريات المؤلمة.
ويرى أبوالعزائم أن الصائم خلال لحظة الإفطار يشعر بأمن نفسي وهو توقيت جيد لعلاج التوتر حين يقوم لأداء الصلاة بعد الإفطار، ففي أثناء ركوعه وسجوده يضغط الصائم ضغطا قويا على أعضائه الداخلية فيصبح في حالة استرخاء ومع هذا الاسترخاء يشعر بأمن نفسي داخلي لم يعهده من قبل ثم يأتي موعد صلاة التراويح وما تحدثه هذه النوعية من الصلاة من مؤثرات نفسية علاجية صحية.
ويؤكد أستاذ الطب النفسي أن الأطباء في الولايات المتحدة وكندا أكدوا أن صوم شهر رمضان عند المسلمين وصلاة التراويح يساعدان على إطالة عمر الإنسان بنسبة 12% فهي عمل علاجي قوي لا يضارعه علاج طبي آخر، ويرجع سبب ذلك إلى حالة الاسترخاء والراحة التي تكون عليها المعدة والمرارة والتنفس من جراء تناول سموم متنوعة تحت بند مأكولات طوال أحد عشر شهرا طوال العام.
رؤية للطب السلوكي
وترى د. سوسن الغزالي - أستاذ الطب السلوكي والصحة النفسية العامة أن شعور المسلم الصائم بالأمن النفسي في شهر رمضان إنما يأتي من خلال ما يؤديه من عبادات صلاة وصوم وزكاة وخشوع لله بصدق وإخلاص وإذا شعر الإنسان بالخشوع والإخلاص والصدق فيما يؤديه من عبادات فسوف ينعكس على سلوكه الخاص.
تؤكد الغزالي أن الإنسان المسلم الذي يشعر باطمئنان داخلي وسلام نفسي إنما هو الذي يستعد باستقبال شهر رمضان قبل حلوله بشهور حيث تكون لديه الفرصة لجني الثمرات الطيبة والصدق مع النفس في العبادات ويؤدي في النهاية إلى سلام نفسي.
وتشير الغزالي إلى حقيقة علمية تقول إن هناك عوامل كثيرة يشعر من خلالها المسلم في شهر رمضان بالأمن النفسي الداخلي، وذلك عبر صلاة التراويح التي يتلاقى فيها الصائمون داخل المسجد، وهناك آراء العلماء التي تؤكد أن هذه النوعية من الصلاة في العبادات الإسلامية إنما تبعث في نفس الإنسان طمأنينة ويقينا بوجود الله سبحانه وتعالى وهذه الطمأنينة تؤدي إلى فعل الخير والتراحم.
وتفسر الغزالي أسباب شعور المسلم في شهر رمضان بأمن نفسي داخلي إنما يعود إلى مظاهر اجتماعية سلوكية طيبة اعتادها المسلمون في هذا الشهر لم يعهدها أحد منهم في أي شهر من شهور العام .
حيث الأسرة طوال العام شبه مفككة لا تلتقي على مائدة واحدة ولا توجد وجبة تجمعهم، ويأتي شهر رمضان ليكون الوسيلة الوحيدة التي تلتقي فيها الأسر المسلمة على مائدة واحدة تزداد فيها صلة الأرحام وتتعمق هذه الصلة وتؤدي إلى السلام النفسي داخل الأسرة الواحدة وعلى مائدة طعام رمضان يذوب الجفاء داخل الأسرة.
ومن خلال رؤية نفسية أخرى يعرضها د. إبراهيم المغازي - أستاذ علم النفس بجامعة قناة السويس أنه بحلول شهر رمضان تغيب معه ظاهرة الاحتراق النفسي وهو أحد الاضطرابات النفسية والاجتماعية الناتجة عن مظاهر العولمة الخبيثة وأمراض الحضارة العصرية المزيفة، ويفسر د. المغازي أسباب غياب هذه الظاهرة إلى الطمأنينة التي تصاحب المسلم الصائم في صلواته الخمس التي تحمي هي الأخرى أعضاءه الحسية والعصبية من التوتر والغضب.
ويكشف المغازي عن ثلاثية أصابت الإنسان في سلوكه البشري وهي الفصام والانشقاق والتناقض، ولكن ما أن يأتي شهر رمضان إلا ويشعر معه المسلم الصائم بغياب هذه العوالم، وثبات شخصيته وتوازنه واستقراره.
وخلص أن صوم شهر رمضان يعد سدا منيعا وحائلا قويا أمام شهوات الإنسان التي تؤدي به إلى الهلاك واستجابة المسلم الصائم لأوامر هذا السد المنيع يساعد على استقراره النفسي سواء مع نفسه أو مع الآخرين، مفسرا أسباب هذه الاستجابة بأنها تعود إلى الطاعة التي أمر بها الله حيث هي المصدر الرئيسي للإيمان.
القاهرة ـ «دار الإعلام العربية»
