عبادة التصقت بالحياة الاجتماعية بين النساء .. وأضحت طقساً ينتظمن على أدائه في المسجد.. تصاحبه أحاسيس عدة، يبثها الشهر الكريم .. وترخي بظلالها على الأنفس في ازدحام الحياة، وتطاله سلوكيات أخرى تشوه مفاهيم العبادة الصرفة.
الوقوف بين يدي المولى عز وجل في أطهر بقاعه، لقاء الأهل والأصدقاء والجيران.. من وجوه التراحم والتواصل التي تفرضها صلاة التراويح .. سنة رمضان ونور لياليه، بالإضافة إلى الدروس الدينية وحلقات العلم التي تعقب الصلاة، عبادة تؤلف القلوب وتفعل دور المساجد في التواصل.. ففي كل يوم تحرص العديد من النساء على أداء الصلاة في المسجد.. وتشهد صلاة العشاء من كل يوم زحف العديد منهن إلى الجوامع المنتشرة في الدولة، وعادة تفرق القلوب أحياناً بسلوكيات ومظاهر متكلفة.تؤكد الوالدة شيخة محمد أن تراويح النساء في المسجد عادة مستحدثة، فرضتها الحياة المدنية، وتضيف: «أصبحت النسوة يقصدن الجوامع لصلاة التراويح ويحرصن على أدائها في المساجد، وذلك لتوفر مصليات النساء، بينما قديماً كن يصلينها في المنزل، ولكن لهذه العادة منافع وفوائد عدة، لعل أهمها التواصل والتراحم، فلا ننسى أن المسجد يضم في رحابه كل الفئات والجنسيات، الفقيرة والغنية.
والتي من شأنها أن تخلق جواً من الألفة والإحساس بالآخر، ورمضان شهر الرحمة والمغفرة، والثواب فيه مضاعف، وللصلاة في المسجد أيضاً بعد إنساني وديني، يتمثل في لقاء الأهل والجيران ممن شغلتنا الحياة عن الاجتماع بهم، فما أروع أن يصطف جميعهم بين يدي الله متآلفين ومتراحمين».
ولا شك أن التراويح من أكثر السنن التي يحرص الجميع على أدائها في الشهر الفضيل، وأصبحت النساء يتسابقن على اختيار المساجد اتباعا لمعايير عدة تجاوزت قرب المسجد من المنزل ودخلت في تفاصيل المكان وصوت الإمام والوقت الذي يستغرقه في أداء الصلاة آخذات في عين الاعتبار ضرورة الابتعاد عن المصليات المزدحمة.
اختيار المسجد
تقول مريم جمعة - ربة منزل - أحرص على الانتهاء من أداء واجباتي المنزلية لكي أتمكن من أداء صلاة التراويح في المسجد، وأختار المسجد المحاذي لمنزلنا، لقربه من مكان سكني، إلى جانب كونه لا يطيل في الصلاة كثيراً ويتبع الصلاة بدرس ديني يومياً، وذلك خير استغلال للتجمعات خصوصاً في هذا الشهر الكريم، كما أن حلقات الذكر وختم القرآن هي فرصة للاستفادة من خبرات المدرسات في الجامع، فهناك دروس في التفسير والتجويد والحفظ، وتلك فرصة لا تعوض».
أما أم فارس - ربة منزل - فتخالفها الرأي، قاصدةً الجامع البعيد عن المنزل، مبررة ذلك بأنه غير مزدحم، ولا تقصده الكثيرات، حيث أن الازدحام في رأيها يقلل من التركيز على الصلاة، وتنتقد أم فارس شروع بعض الأمهات باصطحاب أطفالهن إلى المصليات، ما يؤثر سلباً على خشوع المصلين، وتدعو الأمهات إلى أداء التراويح في المنزل، لأنها سنة يمكن أداؤها في المنزل أو المسجد متى ما استطاعت المرأة وتهيأت لها الظروف، ولأن الصلاة بالدرجة الأولى خشوع وسكينة».
يكاد لا يخلو أي مجتمع نسائي مغلق من عادات وممارسات التصقت ببنات حواء، كمظاهر المبالغة في التبرج، والتراويح في جانبها الاجتماعي عادة تأثرت ببعض السلوكيات الدخيلة، فالنساء أصبحن يبالغن في العطور والتبرج.
وارتداء العباءات التي لا تليق ببيوت الله وحرمتها، بهدف لفت الأنظار والتباهي، في حين يجب أن يتساوى الجميع في حضرة المولى عز وجل والوقوف بين يديه، وأن الموازين تثقل بالأعمال والتقوى لا بالمغالاة في المظاهر، متناسيات الهدف الذي وجدت من أجله المساجد، والاحترام والخشوع الذي يجب أن يسود دون الالتفات إلى صغائر الأمور، وجولة في المصليات النسائية، تكشف بعضاً من العادات التي لا تليق بروحانية الصلاة وعظمة الشهر الفضيل.
وترى راية المحرزي الواعظة والرائدة في العمل التطوعي أنه يجب على المرأة اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن في الاستعداد لرمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، والحفاظ على أداء الصلوات وقراءة القرآن، وتضيف: «على المرأة أن تُهيئ نفسها معنوياً ومادياً وثقافياً، وتبدأ بنفسها وبأهل بيتها، متجنبة بذلك العادات السلبية التي تلجأ لممارستها البعض في الشهر الفضيل، كالغيبة وارتياد الأسواق، وهدر الوقت فيما لا يعود بالنفع».
اصطحاب الأطفال
واعتبرت المحرزي أن خروج المرأة للصلاة في المسجد يجب ألا يترتب عليه تقصير في حق أبنائها وأفراد أسرتها، لأن الصلاة في المسجد لم تُكتب عليها، وفي هذه الحالة أولادها أحق بالرعاية والاهتمام، وجلوسها في البيت أولى، كما أن اصطحابهم إلى المسجد فمن شأنه التأثير على المصلين وإزعاجهم وإضاعة تركيزهم وخشوعهم.
كما أكدت أن التزين المبالغ فيه بهدف لفت الأنظار فعل تأثم عليه المرأة، وعليها في هذا الحال الاقتداء بأمهات المؤمنين، والخروج بتواضع إلى بيوت الله بلباس محتشم وطيب لا يصل أثره إلى المصلين الرجال، فللمساجد وقار واحترام، تُدخل بسكينة واحترام.
وأشارت المحرزي أن السبب في تلك التجاوزات يعود إلى عدم إلمام النساء بثقافة الصلاة وضروراتها، وذلك تقصير من جانبهن لأن وسائل الإعلام والمساجد والنوادي النسائية لا تألو جهداً في تبيان الأسس الصحيحة في الصلاة، والسلوكيات الواجب اتباعها، كالحرص على الوقوف في الصف واكتماله، فتلجأ العديد من النساء إلى بدء صفوف جديدة وترك الصفوف الأمامية غير مكتملة.
وذلك لا يجوز، لأن إكمال الصف وسد الخلل واجب، فالله عز وجل لا ينظر إلى الصف الأعوج، ومن أرادت الصلاة منفردة فعليها أداؤها في المنزل، بينما تستوجب الصلاة في المسجد الالتزام بالصف واتباع الإمام واحترام بيوت الله، كما دعت النساء إلى التدبر والتمعن في معاني القرآن الكريم والعكوف على الإخلاص في أداء العبادات والبعد عن المغالاة في المظاهر لا سيما في الشهر الفضيل.
فضل التراويح
التراويح في اللغة جمع ترويحة، وهي مأخوذة من الراحة بمعنى زوال المشقة والتعب، وهي في الأصل اسم للجلسة مطلقة، وسمّيت الجلسة التي بعد أربع ركعات، في ليالي رمضان بالترويحة، للاستراحة بعد كلّ أربع ركعات.
والتراويح سنة مستحبة باتفاق العلماء وهي من قيام الليل، فتشملها أدلة الكتاب والسنة التي وردت بالترغيب في قيام الليل، وبيان فضله. وللتراويح فضل عظيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم تركها خشية أن تكتب على الأمة فتكون واجبة عليهم فيعجزوا عنها، ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم التزمها المسلمون بعده وصلوها جماعة.
وهي من قيام الليل، وليستا صلاتين مختلفتين كما يظن الكثيرون، وإنما سميّ قيام الليل في رمضان بصلاة التراويح لأنّ السّلف رحمهم الله كانوا إذا صلّوها استراحوا بعد كلّ ركعتين أو أربع من اجتهادهم في تطويل صلاة قيام الليل اغتناما لموسم الأجر العظيم وحرصا على الثواب.
أمل الفلاسي

