تعد المطابخ الشعبية المنتشرة في أرجاء البلاد دليلاً واضحاً ومهماً يعبر عن الأطعمة المحلية المتنوعة، حيث إن وجودها ضروري ومهم لنقل تراث الأكلات المحلية وإيصاله إلى الجنسيات المختلفة التي تفد إلى الدولة.
وإذا كان الآباء قد حرصوا على إدخال هذه المهنة في حيز اهتمام أبنائهم خوفا من اندثارها، إلا أن الانفتاح العلمي والحضاري الكبير التي تشهده البلاد دفع بالكثيرين نحو مقاعد الدراسة والتعليم لتترك هذه الحرفة لأبناء الجاليات الآسيوية يخوضون فيها بطريقتهم الخاصة مما يهدد اللمسة المحلية التراثية في صنع هذه المأكولات التي عرفناها أباً عن جد.
وقد أصبح غياب الأيدي المواطنة في إعداد الأطعمة الشعبية مصدر إزعاج للعديد من الأهالي الذين يجدون أنفسهم مجبرين على شرائها من الأيدي الآسيوية، بعد أن اعتادوا تذوق الأطعمة الشعبية اللذيذة بأيدي محلية تعدها بإتقان ونكهة مميزة ممزوجة بالتوابل العربية المتعارف عليها.
وباتت المطابخ اليوم تحتلها العمالة الآسيوية التي تقوم بإعداد الأطباق المختلفة من المأكولات الشعبية التي تعلمتها على ايدي مواطنين، ولكن دون مراعاة الأسس الصحيحة في الإعداد فاختيار المواد يكون عشوائياً وأحياناً تدخل فيه بعض الإضافات التي تعكس ثقافة بلدهم، فتجد الهريس بالكاد يستساغ.
كما تجد الأرز مع اللحم والحشوة التي يتم إعدادها في المناسبات والمواسم المهمة قد خرجت من اطارها المحلي، لكثرة البهارات المستخدمة التي تبعدها عن النكهة الأصلية.
وقد تأثرت المأكولات الشعبية في الآونة الأخيرة فهي مهنة تحتاج الى دراية واطلاع وممارسة مباشرة مع الطعام وما يحويه من مكونات، حيث يقوم اصحاب المطابخ الشعبية اليوم بتدريب العمال في المطبخ على اعداد هذه المأكولات وبإشراف تام من قبلهم لعدم خسارة الثقة المتبادلة بينهم وبين الزبون، خاصة .
وان الاطعمة المحلية تحتاج الى مهارة وتطلب بكميات كبيرة في الافراح والمناسبات والاعياد، فأي خروج عن النكهة يمكن ان يتسبب بخسارة كبيرة لصاحب المطبخ، لذلك يسعى الى الوقوف على العمل منذ البداية حتى النهاية ليخرج الطبق وفق النكهة والطعم الطيب المطلوب.
اعتزال الكبار
ويرتبط تأثر المأكولات الشعبية في الوقت الحالي بسبب كبر السن لأصحاب المطابخ الشعبية الذين أعيتهم المهنة التي تحتاج الى طاقة شبابية وساعات طويلة للوقوف والتحرك، الامر الذي تميزوا به من خلال عشقهم لهذه المهنة ليدخلوا بقوة الى السوق وينافسوا الاطعمة بكل جدارة، لمهارتهم العالية في اعداد الاطباق الشعبية بأفخر انواع المنكهات الاصيلة كالزعفران الجيد والهيل والسمن البلدي الاصيل والدبس والعسل.
فالامر بات شاقا عليهم فبدؤوا بالانسحاب الواحد تلو الآخر حيث يصعب عليهم الاستمرار وآثار العمر باتت واضحة عليهم، كما ان المهنة يصعب تعليمها الى ابنائهم ممن باتوا يحملون شهادات علمية فكان من السهل التنازل عن المطبخ والطبخ الشعبي وتركه بين ايدي العمالة الاسيوية، تفعل به ما تشاء وان كان بعضهم يتقيد بالمقادير الا انهم يخرجون في كثير من الاحيان عن اطارها المتعارف عليه، فيبتكرون خلطات جديدة تمس ثقافة بلدهم، ووضع بهارات إضافية ليصبح مثلا طبق العيش واللحم مثل البرياني والحشوة كالناشف أو الصالونة الهندية.
يقول الحاج محمد حسن صاحب مطبخ شعبي انه مازال بصحته حيث يبلغ من العمر 48 سنة ويقوم بالإشراف الكامل على إعداد الاطعمة الشعبية المختلفة، وهو حزين لما آلت له المطابخ من دخول أيدٍ غريبة وطرق اخرى في اعداد هذه المأكولات الشعبية، فهو تعود على امداد الاهالي بهذه الاطعمة حيث يكثر الطلب عليها بكثرة في شهر رمضان الكريم والاعياد والافراح والمناسبات السارة وأيضاً في العزاء، التي تعكس أصالة الشعب وثقافتهم.
ويتمنى الوالد محمد ان يكون هنالك دعم لهذه المهنة خوفا من اندثارها بإقامة معاهد الطبخ للحفاظ عليها بالاستعانة بخبرات من الآباء والأجداد لتكون اصالة طويلة الأمد لا تتأثر بعوامل التطور الحاصلة.
البرياني غير
تعتبر وجبة البرياني من الوجبات التي تعددت طرق تجهيزها في المطبخ المحلي والآسيوي على حد سواء، فأحيانا تتم عبر الأرز بالدجاج أو اللحم أو حتى السمك، وهي وجبة شهية تعد بطرق مختلفة .
حيث يسخن الزيت ثم تضاف إيه قطع الدجاج وتقلب جيدا إلى ان يجف الماء ثم تضاف إليه الخضروات وتقشر حبات الطماطم قبل أن توضع في القدر مع الصلصة والملح والبهارات والريحان وتترك على نار هادئة لمدة خمس دقائق ويضاف الأرز ويراعى ان يكون المرق بارتفاع سنتمترين عن سطح الأرز ويترك على نار معتدلة لمدة خمس دقائق ويترك إلى ان ينضج الأرز ويرفع عن النار.
والاختلاف الوحيد بين الوجبات التي تعد محلياً وتلك التي يعدها الآسيويون أنه الأخيرة تكاد نسبة البهارات تكون كبيرة فيها لدرجة يحظر على الأطفال تناول الوجبة لسخونتها ولسعة مذاقها.
عائشة الكعبي
