بوجه بشوش وابتسامة مرحبة، وحناء على ظهر الكف كانت هدية تذكارية من تراث المدينة النابضة بالحداثة، بدأ الحديث مع أديل غرين، الثلاثينية المنحدرة من عائلة أميريكية عريقة تعتنق المسيحية، القادمة من شيكاغو إلى ربوع دبي بدافع إنساني وتاريخي تجاوز حب الاستطلاع والمعرفة.
والعلاقة بين أديل والحضارة العربية والإسلامية تعود إلى سنوات مضت، حين قررت استكشاف التاريخ الإسلامي، فبدأت بزيارة مصر، وقراءة ما وقعت عليه عيناها من كتب التاريخ والحضارة الإسلامية، ما ولد لديها شعوراً بالنهم والطاقة للاستزادة من معرفة غُيبت عن العديد من أبناء شعبها الذين سادت بينهم أفكار خاطئة عن الإسلام الحقيقي.
كيف بدأت قصتك مع الإسلام؟
في الواقع لم أكن أعلم شيئاً عن الإسلام، فقررت اقتناء الكتب التي تتحدث عن التاريخ الحديث، ودرست تاريخ مصر منذ الصغر، كما زرت مصر في رمضان، وكانت حقاً تجربة مميزة، عدت بعدها إلى شيكاغو برغبة أكبر في المعرفة، وبدأت في القراءة مجدداً، وتغيرت بعدها طريقة تفكيري ونظرتي إلى الأمور، سيما وأن الوعي بالحضارة الإسلامية في بلدي مفقود وإن وجد فهو مغلوط وبه العديد من الشوائب والاتهامات التي لا تمت للإسلام بصلة، وذلك ما يصل إليهم من خلال وسائل الإعلام.
وبأي الكتب بدأت؟
اقتنيت نسخة من القرآن الكريم، إلى جانب كتب أساسيات الإسلام، ولم أكتف بذلك، بل اطلعت عبر شبكة الإنترنت على تجارب العديد من الأمريكيين والأوروبيين ممن اعتنقوا الإسلام، والمواقف التي صادفتهم وخلاصة تجاربهم .
وما الذي دفعك إلى الاستزادة من المعرفة في الإسلام؟
الإسلام مختلف كثيراً عن المسيحية، فهو لا يعترف بالوسيط بين العبد والرب، والعلاقة مباشرة مع الخالق في أي وقت وزمان ومكان، لا تستوجب اللجوء إلى الكهنة أو الرهبان، فالإسلام دين سمح وبسيط ولا تكلف في عباداته، وهناك العديد من الأفكار الخاطئة عن الإسلام في بلدي، ولكن الإسلام عكس ذلك، عندما انتهيت من زيارتي إلى مصر، ونقلت انطباعاتي إلى أهلي وأصدقائي فوجئوا بها.
وما كانت تلك الانطباعات؟
وجدت العديد من القيم السمحة والأخلاقيات النابعة من تعاليم الدين الإسلامي، والحياة الاجتماعية والقيم التربوية كالتسامح والتآخي ومبدأ التعايش والسلم مع الآخر باختلاف دينه وثقافته والتي تنبع جميعها من صلب الدين، وتقترن به كثيراً لأنها تُذكر في تعاليمه التي تُدرّس في الكتب.
بينما في أمريكا لا علاقة لها بالدين، فهي تعتمد إلى حد ما على التربية والتنشئة المنزلية، إلى جانب ذلك، فالحياة الاجتماعية تضج بمشاعر التآلف والحرص على التواصل، بالإضافة إلى حب العائلة والحرص ممارسات عدة كالصدقة وفعل الخير التي تتضح بشكل أكبر هنا، فالإسلام طريقة حياة وليس مجرد دين.
أنت تزورين دبي في رمضان، ألم تجدي صعوبة في ذلك؟
لقد اخترت رمضان بالتحديد لما يتمتع به من أجواء روحانية، وتعمدت المجيء وحيدة، فأردت العيش مع أفكاري وقصدت ذلك بهدف التأمل والتعلم بعيداً عن السياحة، فهناك شيء ما في داخلي يدفعني إلى التأمل والاستمرار في القراءة والمعرفة، فأصبح لدي إدراك أكثر بهذا الدين وجربت الصيام مع المسلمين، وأصبحت أشعر بالفرق بينه وبين الأديان الأخرى، وزيارتي إلى دبي عمّقت فيّ المفاهيم الصحيحة للإسلام وأكدت على مبدأ التعايش السلمي بين مختلف الثقافات.
كيف تصفين تجربتك مع الصيام؟
كانت صعبة في بدايتها لأنها جديدة علي، شعرت بالصداع، ولكن سرعان ما تأقلمت على ذلك، فالإحساس بأن هناك ملايين المسلمين يمارسون هذه العبادة ولشهر كامل دفعني إلى الاستمرار في الصيام، وأيقنت أن هناك عبرة ودرساً يستخلصه الصائمون مع نهاية الشهر، كالصبر ومقاومة النفس والتغلب على رغباتها.
وهناك شيء ما في داخلي يقودني إلى الطريق الصحيح، ولعل الصيام يساعدني على ذلك، والمفارقة أنني عندما سافرت بالطائرة اضطررت إلى الإفطار بسبب فرق التوقيت وطول الرحلة، ولكنني شعرت بالذنب وأحسست بأنه كان علي ألا أفطر.
ولماذا اخترت دبي بالتحديد؟
دبي تذكرني كثيراً بشيكاغو فالحياة هنا نابضة، والناس ينحدرون من جنسيات مختلفة ويتعايشون بسلام، والحركة العمرانية كذلك .. مراكز التسوق والحدائق والمرافق الترفيهية، والأبراج السكنية.. إلى جانب السيارات والكثافة السكانية المرتفعة في مدينة صغيرة كدبي، تشبه إلى حد كبير المكان الذي جئت منه، ولكن شيكاغو باردة، على عكس دبي فهنا الطقس أكثر حرارة.. وملاءمة لي.
أمل الفلاسي
