لم تثن حالة الضنك والقلة التي كانت تسيطر على دبي في أعوام الستينات وما قبل، الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله عن قراره إنشاء مكتبة عامة في دبي لتكون منارة للمعرفة، فقد كان رحمه الله معروفا باهتمامه وشغفه بالعلم وحبه للعلماء، ولذلك فقد شيد رحمه الله اللبنة الأولى للمكتبة العامة ودعمها بكل قوته، لتنمو كما الشجرة في منطقة الراس بديره، وتظلل بأوراقها خور دبي.
والمكتبة اليوم أينع غراسها وبدأت تؤتي أكلها الطيب، وفي هذا الشهر الكريم تتزين بالعلم والمعرفة لتستقبل طلاب النور الذين ينهلون من القراءة والاستزادة من أبواب المعرفة.
ولرمضان مع المكتبة حضور خاص حيث يزداد إقبال الناس على القراءة وخصوصاً في الاتجاه الإسلامي والنهل من منابع هذا الدين، فتفتح المكتبة أبوابها بعد صلاة التراويح وتبقى حتى الحادية عشرة ليلاً، والإقبال على القراءة في رمضان وإن كان يشهد فتوراً في الأسبوع الأول منه إلا أن فورة الإقبال تزداد بعد ذلك بشكل مطرد.
وللأطفال في رمضان مع المكتبات حكاية أخرى، حيث تنظم مكتبات الأحياء العديد من النشاطات والفعاليات وتقدم الجوائز لتحفيز الأطفال على القراءة وطلب العلم والمعرفة.
في حديثنا مع محمد جاسم العريدي، مدير إدارة المكتبات العامة في بلديه دبي، نغوص في تاريخ المكتبات العامة بدبي، حيث قال: «تعتبر المكتبة العامة بدبي أقدم وأول مكتبة عامة في الإمارات بالمفهوم العلمي للمكتبات العامة، حيث أنشئت المكتبة العامة عام 1962، وكان من الصعب إيجاد من يفكر في إنشاء مكتبة عامة خلال الستينات لصعوبة الظروف الاقتصادية والمعيشية، ولكن لنظرة الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله الثاقبة كان هذا القرار.
لقد استقبل اقتراح إنشاء المكتبة العامة الذي صدر مع نهاية شهر مارس 1961 باستحسان من قبل جميع مواطني ومقيمي دبي، وبناء عليه فقد قرر المجلس البلدي في جلسته الثامنة عشرة المنعقدة في مايو 1962 إنشاء مكتبة شعبية تضم الثقافات المختلفة، لتصبح منهلا للجميع، وإثر صدور القرار دبت روح التعاون بين القائد والشعب.
حيث أعلنت لجنة المجلس البلدي عن حملة تبرعات لتنفيذ المشروع، وأوكلت هذه المهمة إلى سيف أحمد الغرير، وعيسى صالح القرق، وقد دل التجاوب مع الحملة على مدى الوعي الثقافي والفكري الذي كان يسود المجتمع آنذاك، فلم يكد يمضي الشهر حتى وصل عدد المتبرعين الى نحو 53 شخصا من اعيان دبي.
وقد تكرم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله بمنح المجلس قطعه ارض في رأس ديره (أراضي الدفن الجديدة) لتشييد المبنى عليها وقدرت قيمتها آنذاك بـ 100 الف روبيه.
اما خارطة البناء فقد أعدت بواسطة مهندس الشركة النمساوية كمساهمة منه في هذا المشروع، في حين اوكل عطاء بناء المكتبة الى المقاول سعيد بن لوتاه، تحت إشراف شركة «سير وليم هالكرو»، وكان ذلك بتاريخ 12/9/1962، حيث تكون البناء من قاعة واحدة ومسرح في الهواء الطلق تمارس فيه الأنشطة الثقافية المختلفة مثل عرض الافلام السينمائية، وعقد المحاضرات، وقدر المبلغ المدفوع بـ 292,155 روبيه.
دعم الشيخ راشد
ولدعم المكتبة وإغنائها قام المغفور له الشيخ راشد بن سعيد بإرسال عدد من الرسائل إلى وزراء الثقافة والتربية والتعليم في مختلف الدول العربية منها السودان، البحرين، قطر، الكويت، سوريا، مصر، الاردن، يخبرهم فيها عن نيته إنشاء مكتبة عامة بدبي، ويطلب منهم المساعدة في تزويدها بالكتب المتوفرة لديهم.
وبعد اكتمال البناء، قام رحمه الله في مطلع عام 1963 بافتتاح المبنى المطل على خور دبي، ليعلن بذلك عن تدشين عهد جديد من العلم والمعرفة في مسيرة المجتمع الإماراتي.
بعد الافتتاح كان لا بد من تنظيم عمل المكتبة، ومتابعه شؤونها ولذلك شكلت لجنة خاصة لمتابعتها، حول ذلك يقول العريدي: في 22 مايو 1968 قرر المجلس البلدي تشكيل لجنة للمكتبة العامة برئاسة عيسى صالح القرق، وعضوية كل من أيمن سعيد النابودة، وأحمد صديقي، وعبد الله الموسى، وأحمد محمد حريز.
وكانت مهمة اللجنة الإشراف على المكتبة ومتابعة شؤونها المالية والادارية وقضايا التزويد وغيرها. مع اتساع القاعدة السكانية في دبي وارتفاع وتيرة الحياة فيها، كان لا بد من إجراء تعديلات وتحسينات على مبنى المكتبة العامة بمنطقة الراس، والتي استمرت على شكلها العام حتى عام 1980، الذي شهدت فيه نموا مطردا في مجموعاتها وتوسعا في مبانيها.
حيث أصبحت تضم قاعات لكتب اللغة العربية والانجليزية والدوريات والمراجع والمواد السمعية والبصرية، الى جانب الوحدات الإدارية والفنية مثل التزويد، والفهرسة، والتصنيف، والتجليد. كما اتسعت دائرة المستفيدين من خدمات المكتبة العامة لتشمل كافة موظفي بلدية دبي والمؤسسات الحكومية والخاصة إضافة إلى المواطنين والمقيمين في إمارة دبي والإمارات الأخرى.
لم تتوقف مسيرة المكتبة العامة عند هذا الحد، بل تجاوزتها لتواكب التطور الحضاري لدبي، من مبدأ نشر وإيصال الثقافة ومختلف وسائل المعرفة لسكان الإمارة في مختلف مناطقها لتخدم أكبر كم ممكن من المواطنين والمقيمين فيها، وبناء على ذلك كان هناك اكثر من اقتراح لتلبية هذه الرغبة، منها المكتبة المتحركة أو إنشاء مكتبات الأحياء السكنية، الا ان الاقتراح الثاني كان الأرجح.
حيث صدرت توجيهات المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، وسمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، وزير المالية والصناعة رئيس بلدية دبي، بإنشاء أربع مكتبات عامة في مناطق الأحياء السكنية الواقعة في كل من: هور العنز، الراشدية، الصفا، وأم سقيم، وافتتحت جميعها عام 1989.
وروعي عند إنشائها طبيعة المجتمع المحلي وتنوع اهتماماته وعاداته وتقاليده، وصممت المباني بطريقة تشمل قاعات للكتب العربية والأجنبية، والمراجع والدوريات، ومكتبة للأطفال، وقاعة متعددة الأغراض مزوده بأحدث أجهزة العرض والتقديم، واستكملت هذه المسيرة بافتتاح المكتبة العامة في حتا عام 1998، حيث أعطيت لها الأولوية لعدم وجود مرافق ثقافية فيها.
وفي صيف العام الماضي افتتحت مكتبه الطوار العامة، كما تم إضافة موقع دار الاتحاد الذي وقعت فيه اتفاقية اتحاد الإمارات عام 1971 للمكتبات العامة، بهدف إنشاء مكتبة تعنى بتاريخ وتراث الإمارات، وحاليا يجري العمل على تأسيس مكتبة عامة في منطقة المنخول.
ومن المنتظر أن يتم الانتهاء منها مع نهاية العام الجاري، كما يجري الآن اختيار موقع ملائم لبناء مكتبة مركزية جديدة وعصرية تواكب التطور الحضاري الحاصل في مدينة دبي لتلبية الاحتياجات الإدارية والفنية والخدمية للتوسع الذي شهدته المكتبات العامة.
مكتبات الأطفال
تقتصر إدارة المكتبات العامة في اهتماماتها على كبار السن فقط، انما اولت الاطفال اهتماما كبيرا، حيث خصصت في كل مكتبة قسما خاصا بهم، وحول ذلك يقول العريدي: قبل استقلال مكتبات الاطفال، كان في المكتبة العامة بجميع فروعها قسم مخصص للأطفال يضم فيه كل ما يمكن ان ينمي اهتماماتهم ومعرفتهم.
حيث يستقبل القسم الفئة العمرية بين 6 - 12 سنة، وبسبب إقبال الأطفال الواسع على المكتبة جاءت الاستجابة مرضية باعتبار الطفل النواة الأساسية لمقومات المجتمع، فتم إنشاء مكتبة منفصلة له ملحقة بمكتبات الأحياء السكنية وكان ذلك عام 2005، ويحتوي المبنى على قاعة للمطالعة، وأخرى للأنشطة، وواحدة للمواد السمعية والبصرية.
تطور ملحوظ
نظرا للتطور الحضاري الذي تشهده دبي اصبحت مكتباتها العامة تتبوأ مستوى عالياً من الناحية التقنية والتنظيمية مقارنة مع دول المنطقة، وللوصول الى هذا المستوى يقول العريدي: قمنا بزيارة لعدد من المكتبات العامة في استراليا، والولايات المتحدة، وسنغافورة، ولندن، وبعض الدول العربية. وتقدم المكتبة حاليا عدة الخدمات تبدأ من الكتب، والأفلام والاسطوانات، والانترنت، وقواعد البيانات.
غسان خروب
